البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

تفسير الطبري (جامع البيان)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)

ت. عبد الله بن عبد المحسن التركي · دار هجر · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون

وذكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها، التي بينها في قوله خبرا عنهم: {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} [النساء: 97] ذكر الأخبار الواردة بصحة ما ذكرنا من نزول الآية في الذين ذكرنا أنها نزلت فيهم: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا أشعث، عن عكرمة: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] قال: " كان ناس من أهل مكة أسلموا، فمن مات منهم بها هلك قال الله: {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 98] إلى قوله: {عفوا غفورا} [النساء: 43] قال ابن عباس: فأنا منهم وأمي منهم قال عكرمة: وكان العباس منهم " حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم , فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا , فاستغفروا لهم. فنزلت: {إن الذين توفاهم PageEndV07P382 الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} [النساء: 97] الآية قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا عذر لهم. قال: فخرجوا , فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله} [العنكبوت: 10] إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 110] فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا. فخرجوا , فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة أو ابن لهيعة، - الشك من يونس، عن أبي الأسود، أنه سمع مولى لابن عباس يقول عن ابن عباس: إن ناسا مسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله فيهم: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97]، حتى بلغ: {فتهاجروا فيها} [النساء: 97] حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ , قال: أخبرنا حيوة، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس , فنهاني عن ذلك أشد النهي. ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا مسلمين كانوا مع المشركين؛ ثم ذكر مثل حديث يونس عن ابن وهب " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس، قوله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] هم قوم تخلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ضربت الملائكة وجهه ودبره " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} [النساء: 97] إلى قوله: {وساءت مصيرا} [النساء: 97] قال: " نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن PageEndV07P384 زمعة بن الأسود وقيس بن الوليد بن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف. قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم. قال ابن جريج: وقال مجاهد: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش. قال ابن جريج: وقال عكرمة: لما نزل القرآن في هؤلاء النفر، إلى قوله: {وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 98] قال: " يعني: الشيخ الكبير، والعجوز والجواري والصغار والغلمان حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] إلى قوله: {وساءت مصيرا} [النساء: 97] قال: " لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: «افد PageEndV07P385 نفسك وابن أخيك» قال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: «يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم» ثم تلا هذه الآية: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97] فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر، إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حيلة في المال، والسبيل: الطريق. قال ابن عباس: كنت أنا منهم من الولدان " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عكرمة، يقول: كان ناس بمكة قد شهدوا أن لا إله إلا الله، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم، فقتلوا، فنزلت: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97] إلى قوله: {أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة. قال: فخرج ناس من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعطى الفتنة، فأنزل الله فيهم: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} [العنكبوت: 10] فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين بمكة، وأنزل الله في أولئك الذين أعطوا الفتنة: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا} [النحل: 110] إلى {غفور رحيم} [البقرة: 173] "

تفسير الطبري (جامع البيان) · الجزء ٧ · ص ٣٨٥

الإحالة: (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٣٨٥)