سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} [النساء: 70] يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضا بحكمهما
واختلف في معنى الصديقين، فقال بعضهم: الصديقون: تباع الأنبياء الذين صدقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم. فكأن الصديق فعيل على مذهب قائلي هذه المقالة من الصدق، كما يقال رجل سكير من السكر، إذا كان مدمنا على ذلك، وشريب وخمير. وقال آخرون: بل هو فعيل من الصدقة. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك؛ وهو ما: حدثنا به، سفيان بن وكيع قال: ثنا خالد بن مخلد، عن موسى بن يعقوب , قال: أخبرتني عمتي، قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمها، كريمة بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، وكانت تحت المقداد عن المقداد، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: شيء سمعته منك شككت فيه. قال: «إذا شك أحدكم في الأمر فليسألني عنه» قال: قلت: قولك في أزواجك: إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين؟ قال: «من تعنون الصديقين؟» قلت: أولادنا الذين يهلكون صغارا. قال: «لا، ولكن الصديقين هم المصدقون» وهذا خبر لو كان إسناده صحيحا لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان في PageEndV07P212 إسناده بعض ما فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالصديق أن يكون معناه المصدق قوله بفعله، إذ كان الفعيل في كلام العرب إنما يأتي إذا كان مأخوذا من الفعل بمعنى المبالغة، إما في المدح وإما في الذم، ومنه قوله جل ثناؤه في صفة مريم: {وأمه صديقة} [المائدة: 75] وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلا من كان موصوفا بما قلنا في صفة المتصدقين والمصدقين؛ {والشهداء} [النساء: 69] وهم جمع شهيد: وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحق في جنب الله حتى قتل. {والصالحين} [النساء: 69] وهم جمع صالح: وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته. وأما قوله جل ثناؤه: {وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] فإنه يعني: وحسن هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم رفقاء في الجنة. والرفيق في لفظ الواحد بمعنى الجميع، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا %~% بأسهم أعداء وهن صديق PageEndV07P213 بمعنى: وهن صدائق. وأما نصب الرفيق، فإن أهل العربية مختلفون فيه، فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال، ويقول: هو كقول الرجل: كرم زيد رجلا، ويعدل به عن معنى: نعم الرجل، ويقول: إن نعم لا تقع إلى على اسم فيه ألف ولام أو على نكرة. وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير وينكر أن يكون حالا، ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول: كرم زيد من رجل، وحسن أولئك من رفقاء؛ وأن دخول من دلالة على أن الرفيق مفسرة. قال: وقد حكي عن العرب: نعمتم رجالا، فدل على أن ذلك نظير قوله: وحسنتم رفقاء. وهذا القول أولى بالصواب للعلة التي ذكرنا لقائليه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لأن قوما حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرا أن لا يروه في الآخرة