البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

تفسير الطبري (جامع البيان)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)

ت. عبد الله بن عبد المحسن التركي · دار هجر · ١٤٢٢هـ · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › القول في تأويل قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} يعني جل ثناؤه بقوله: {لله ما في السموات وما في الأرض} لله ملك كل ما

ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] الآية، قال: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: «من هم بسيئة فلم يعملها أرسل الله عليه من الهم والحزن مثل الذي هم به من السيئة فلم يعملها، فكانت كفارته» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] قال: كانت عائشة تقول: «كل عبد يهم بمعصية، أو يحدث بها نفسه، حاسبه الله بها في الدنيا، يخاف ويحزن ويهتم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك، قال: قالت عائشة في ذلك: «كل عبد هم بسوء ومعصية، وحدث نفسه به، حاسبه الله في الدنيا، يخاف ويحزن ويشتد همه، لا يناله من ذلك شيء، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا» حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمه، أنها سألت عائشة عن هذه الآية: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] و {من يعمل سوءا يجز} [النساء: 123] به فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عائشة، هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها، فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير» وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: إنها محكمة PageEndV05P144 وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه، وليس في قوله جل وعز: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: {أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة، يقولون: {يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها، فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين؛ لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنزيله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] ، فدل أن محاسبة الله عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل محاسبته إياهم إن شاء الله عليها ليعرفهم تفضله عليهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي: حدثني به، أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن ابن عمر، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " يدني الله عبده المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بسيئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم، فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم، ثم يظهر له حسناته، فيقول: هاؤم اقرءوا كتابيه أو كما قال: وأما الكافر، فإنه ينادي به على PageEndV05P145 رءوس الأشهاد " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا هشام، قالا جميعا في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: " بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ عرض له رجل، فقال: يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب اغفر مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم "، قال: " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون، فينادي بهم على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين " إن الله يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه، وبما أخفاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد PageEndV05P146 تعريفه تفضله وتكرمه عليه، فيستره عليه، وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين، فقال: يغفر لمن يشاء. فإن قال قائل: فإن قوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير، قيل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله. فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] إن كان {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا من هم بذنب، أو إرادة لمعصية، لم تكتسبه جوارحنا؟ قيل له: إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله، والمرية في وحدانيته، أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو في المعاد والبعث من المنافقين، على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد، ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله: {أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] على الشك واليقين. غير أنا نقول: إن المتوعد بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله، وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا، والموعود الغفران بقوله: {فيغفر لمن يشاء} [البقرة: 284] هو الذي أخفى، وما يخفيه الهمة PageEndV05P147 بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته، فحرمه على خلقه جل ثناؤه، أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه، فأوجب فعله على خلقه، فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه» فهذا الذي وصفنا هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه. فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه، فذلك هو الهالك المخلد في النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله: {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] فتأويل الآية إذا: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} [البقرة: 284] أيها الناس، فتظهروه {أو تخفوه} [البقرة: 284] فتنطوي عليه نفوسكم، {يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فيغفره له، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه

تفسير الطبري (جامع البيان) · الجزء ٥ · ص ١٤٥

الإحالة: (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/١٤٥)