سورة البقرة › وأما قوله: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] فاختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله سأل الملأ من بني إسرائيل نبيهم ذلك. فقال بعضهم: كان سبب مسألتهم إياه
ما: حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: " خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله. ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف فيهم حزقيل بن بوزي وهو ابن العجوز. ثم إن الله قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث، ونسوا ما كان من عهد الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله. فبعث الله إليهم إلياس بن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة. وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له PageEndV04P438 أخاب، وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره. وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئا، إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام، كل ملك له ناحية منها يأكلها. فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا يعدد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون، ويشربون، ويتنعمون، مالكين ما ينقص من دنياهم، وما نرى لنا عليهم من فضل ويزعمون والله أعلم أن إلياس استرجع، وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه. ففعل ذلك الملك فعل أصحابه، عبد الأوثان، وصنع ما يصنعون. ثم خلف من بعده فيهم اليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه. وخلفت فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر، فيه السكينة، وبقية مما ترك آل موسى، وآل هارون، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم، إلا هزم الله ذلك العدو. ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره. وكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة، ثم ينبذ فيه الحب، فيخرج الله له ما يأكل سنته هو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته. فلما عظمت PageEndV04P439 أحداثهم وتركوا عهد الله إليه، نزل بهم عدو، فخرجوا إليه، وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به، فقوتلوا حتى استلب من بين أيديهم. فأتى ملكهم إيلاء، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب، فمالت عنقه، فمات كمدا عليه. فمرج أمرهم عليهم، ووطئهم عدوهم، حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبي لهم قد كان الله بعثه إليهم فكانوا لا يقبلون منه شيئا يقال له شمويل، وهو الذي ذكر الله لنبيه محمد: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] إلى قوله: {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] يقول الله: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} [البقرة: 246] إلى قوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 248] " قال ابن إسحاق: فكان من حديثهم فيما حدثني به بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: أنه لما نزل بهم البلاء، ووطئت بلادهم، كلموا نبيهم شمويل بن بالي، فقالوا: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وإنما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له أمره، ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم. فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقا يكذبون فلا يقبلون منه شيئا، وفريقا يقتلون. فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد. فقالوا: إنما كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد فلا يظهر علينا فيها عدو، فأما إذ بلغ PageEndV04P440 ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءها، ونساءنا، وذرارينا " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل} [البقرة: 246] إلى: {والله عليم بالظالمين} [البقرة: 95] قال الربيع: ذكر لنا والله أعلم أن موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل، وإن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى. ثم إن يوشع بن نون توفي واستخلف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم. ثم استخلف آخر، فسار فيهم بسيرة صاحبيه. ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم استخلف آخر فأنكروا عامة أمره. ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله. ثم إن بني إسرائيل أتوا نبيا من أنبيائهم حين أوذوا في نفوسهم وأموالهم، فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال فقال لهم ذلك النبي: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} [البقرة: 246] إلى قوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 247] " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا} [البقرة: 246] قال: قال ابن عباس: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم، وأبنائهم " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا} [البقرة: 246] قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان " وقال آخرون: كان سبب مسألتهم نبيهم ذلك