سورة البقرة › القول في تأويل قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197] يعني جل ثناؤه بذلك: وقت الحج أشهر معلومات. (والأشهر) مرفوعات بالحج
ومما يدل على أن ذلك معناهم في قيلهم ذلك ما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، قال: قال ابن عمر: «أن تفصلوا بين أشهر الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته» حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا شعبة، قال: ما لقيني أيوب أو قال: ما لقيت أيوب إلا سألني عن حديث قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قلت لعبد الله: امرأة منا قد حجت، أو هي تريد أن تحج، أفتجعل مع حجها عمرة؟ فقال: «ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج» قال: فيقول لي أيوب ومن عنده: مثل هذا الحديث حدثك قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أنه سأل عبد الله حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن محمد، يقول: " إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال: فقيل له: العمرة في المحرم؟ فقال: كانوا لا يرونها تامة " حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن ابن عون، قال: " سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج، قال: كانوا لا يرونها تامة " حدثنا ابن بيان الواسطي، قال: أخبرنا إسحاق، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، " أنه كان يستحب العمرة في المحرم، قال: تكون في أشهر الحج. قال: كانوا لا يرونها تامة " حدثنا ابن بيان، قال: ثنا إسحاق، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال ابن عمر، للحكم بن الأعرج، أو غيره: «إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهل المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي يعقوب، قال: سمعت ابن عمر، يقول: «لأن أعتمر في عشر ذي الحجة أحب إلي من أن أعتمر في العشرين» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن PageEndV03P451 مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: " سألت ابن مسعود، عن امرأة، منا أرادت أن تجمع، مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] ما أراها إلا أشهر الحج " حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا حزام القطعي، قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: «ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج» ونظائر ذلك مما يطول باستيعاب ذكره الكتاب، مما يدل على أن معنى قيل من قال: وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل، أنهن من غير شهور العمرة، وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة، وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن. وأما الذين قالوا: تأويل ذلك: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، فإنهم قالوا: إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] إلى تعريف خلقه ميقات حجهم، لا الخبر عن وقت العمرة. قالوا: فأما العمرة، فإن السنة كلها وقت لها، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في بعض شهور الحج، ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة، علم أن معنى قوله: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] إنما هو " ميقات الحج شهران وبعض الثالث. PageEndV03P452 والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: إن معنى ذلك الحج شهران وعشر من الثالث؛ لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج، ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لم يكن معنيا به جميعه صح قول من قال: وعشر ذي الحجة. فإن قال قائل: فكيف قيل: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] وهو شهران وبعض الثالث؟ قيل: إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول له: اليوم يومان منذ لم أره. وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] وإنما يتعجل في يوم ونصف. وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة، ثم يخرجه عاما على السنة والشهر، فيقول: زرته العام وأتيته اليوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره، ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك وفي ذلك الحين، فكذلك الحج أشهر، والمراد منه الحج شهران وبعض آخر. فمعنى الآية إذا: ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث، وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة