سورة الحشر › وقوله: {ويؤثرون على أنفسهم} [الحشر: 9] يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار {والذين تبوءوا الدار والإيمان} من قبل المهاجرين: {ويؤثرون على أنفسهم} [الحشر: 9] يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم {ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من
ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: «ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم نومي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فنزلت {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي المصباح، وقربي للضيف ما عندك، قال: فنزلت هذه الآية PageEndV22P529 {ومن يوق شح نفسه} [الحشر: 9] يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شح نفسه فأولئك هم المفلحون المخلدون في الجنة. والشح في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم: [البحر الوافر] ترى اللحز الشحيح إذا أمرت %~% عليه لماله فيها مهينا يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إنه لشحيح بين الشح والشح، وفيه شحة شديدة وشحاحة. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو: أكل أموال الناس بغير حق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: {ومن يوق شح نفسه} [الحشر: 9] وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ذلك البخل، وبئس PageEndV22P530 الشيء البخل حدثني يحيى بن إبراهيم، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] والله ما أعطي شيئا أستطيع منعه، قال: ليس ذلك بالشح، إنما الشح أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «برئ من الشح PageEndV22P531 من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة» حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال: إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو. قال عبد الله بن صفوان: ما هن أنبيك فيهن. قال: أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارا، ثم أقول: أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت من شأن عثمان، قال ابن صفوان: أما عثمان فقتل يوم قتل، وأنت تحب قتله وترضاه، فأنت ممن قتله؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شح نفسك. قال: صدقت حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل: {ومن يوق شح نفسه} [الحشر: 9] قال: من وقي شح نفسه؛ فلم يأخذ من الحرام شيئا، ولم يقربه، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئا، فهو من المفلحين، كما قال الله عز وجل وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن PageEndV22P532 يوق شح نفسه} [الحشر: 9] قال: من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله عز وجل عنه، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شح نفسه، فهو من المفلحين