سورة البقرة › القول في تأويل قوله تعالى: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام
كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما فرض الله جل وعز عليهم، يعني على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل، هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: {ثم توليتم} [البقرة: 64] يقول: أعرضتم عن طاعتي {إلا قليلا منكم} [البقرة: 83] قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها؛ يقول: تركها استخفافا بها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة، عن ابن عباس: " {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] أي تركتم ذلك كله " وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وأنتم معرضون} [البقرة: 83] اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنى بسائر الآية أسلافهم؛ كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: {ثم توليتم إلا قليلا منكم} [البقرة: 83] ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم على ما ذكرناه فيما مضى قبل. ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك وتاركوه ترك أوائلكم. وقال آخرون: بل قوله: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة وتبديلهم أمر الله وركوبهم معاصيه