البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ)

نص مشروع OpenITI (مدونة التفاسير)

سورة النساء: ١١٧–١٢١

أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا، أي: أوثانا وأصناما، مسميات بأسماء الإناث، ك " العزى " و " مناة " ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن عابديها، بل ولا عن نفسها نفعا ولا ضرا، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يعبد من هذا وصفه، ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد، والجلال، والعز، والجمال، والرحمة، والبر، والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟!! هل هذا إلا من أقبح القبيح، الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟!! ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة. وبالحقيقة ما عبدوا غير الشيطان، الذي هو عدوهم، الذي يريد إهلاكهم، ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه، الذي هو في غاية البعد من الله، لعنه الله وأبعده عن رحمته، فكما أبعده الله من رحمته يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله. إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6] ولهذا أخبر الله عن سعيه في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم والفساد، وأنه قال لربه مقسما: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي: مقدرا. علم اللعين أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله، وأن عباد الله المخلصين ليس له عليهم سلطان، وإنما سلطانه على من تولاه، وآثر طاعته على طاعة مولاه. وأقسم في موضع آخر ليغوينهم ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 39-40]. فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به، أخبر الله تعالى بوقوعه بقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [سبأ: 20]. وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم، ذكر ما يريد بهم، وما يقصده لهم بقوله: { ولأضلنهم } أي: عن الصراط المستقيم، ضلالا في العلم، وضلالا في العمل. { ولأمنينهم } أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم، حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة، وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم، فإنهم كما حكى الله عنهم، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم [البقرة: 111] كذلك زينا لكل أمة عملهم [الأنعام: 108] قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: 103-104] الآية. وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور [الحديد: 14]. وقوله: { ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم } أي: بتقطيع آذانها، وذلك كالبحيرة، والسائبة والوصيلة، والحام، فنبه ببعض ذلك على جميعه. وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة والأحكام الجائرة، ما هو من أكبر الإضلال. { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم، والوشر، والنمص، والتفلج للحسن، ونحو ذلك، مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن. وذلك يتضمن التسخط من خلقته، والقدح في حكمته، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء، مفطورين على قبول الحق وإيثاره، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشر والشرك، والكفر والفسوق والعصيان. فإن كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد، من توحيده، وحبه ومعرفته، فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب للغنم المنفردة. لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى على هؤلاء المفتونين، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم، وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه، فخسروا الدنيا والآخرة، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة، ولهذا قال: { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه، وأوبقته معاصيه وخطاياه؟!! فحصل له الشقاء الأبدي، وفاته النعيم السرمدي. كما أن من تولى مولاه وآثر رضاه، ربح كل الربح، وأفلح كل الفلاح، وفاز بسعادة الدارين، وأصبح قرير العين، فلا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، اللهم تولنا فيمن توليت، وعافنا فيمن عافيت. ثم قال: { يعدهم ويمنيهم } أي: يعد الشيطان من يسعى في إضلالهم. والوعد يشمل حتى الوعيد كما قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر [البقرة: 268]. فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره، كما قال تعالى: إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه الآية [آل عمران: 175]. ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله بكل ما يمكن وما لا يمكن، مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن فعل الخير، وكذلك يمنيهم الأماني الباطلة التي هي عند التحقيق كالسراب الذي لا حقيقة له، ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * أولئك مأواهم جهنم } أي: من انقاد للشيطان، وأعرض عن ربه، وصار من أتباع إبليس وحزبه، مستقرهم النار. { ولا يجدون عنها محيصا } أي: مخلصا ولا ملجأ، بل هم خالدون فيها أبد الآباد.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) · سورة النساء: ١١٧–١٢١

الإحالة: (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١١٧–١٢١)