البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ)

نص مشروع OpenITI (مدونة التفاسير)

سورة النساء: ٩٧–٩٩

هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه، يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: { فيم كنتم } أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير والجهاد مع رسوله والكون مع المسلمين ومعاونتهم على أعدائهم. { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك، لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. واستثنى المستضعفين حقيقة، ولهذا قالت لهم الملائكة: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون [العنكبوت: 56]. قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: { فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه، وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع. وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل من توفي فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ " التوفي " فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيا. وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله. ثم استثنى المستضعفين على الحقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه { ولا يهتدون سبيلا }. فهؤلاء قال الله فيهم: { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } و " عسى " ونحوها واجب وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه، وفي الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة: وهو أنه قد لا يوفيه حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرا فلا يستحق ذلك الثواب. والله أعلم. وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور من واجب وغيره، فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن الجهاد: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج [النور: 61]. وقال في عموم الأوامر: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم " ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده، وانسدت عليه أبواب الحيل، لقوله: { لا يستطيعون حيلة } وفي الآية تنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر من شروط الاستطاعة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) · سورة النساء: ٩٧–٩٩

الإحالة: (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٩٧–٩٩)