البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ)

نص مشروع OpenITI (مدونة التفاسير)

سورة الزمر: ٣٢–٣٥

يقول تعالى، محذرا ومخبرا: أنه لا أظلم وأشد ظلما { ممن كذب على الله } إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو الإخبار بأن الله تعالى قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا وهو كاذب، فهذا داخل في قوله تعالى: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة: 169] إن كان جاهلا وإلا فهو أشنع وأشنع. [ { وكذب بالصدق إذ جآءه } ] أي: ما أظلم ممن جاءه الحق المؤيد بالبينات فكذبه، فتكذيبه ظلم عظيم منه، لأنه رد الحق بعد ما تبين له، فإن كان جامعا بين الكذب على الله والتكذيب بالحق، كان ظلما على ظلم. { أليس في جهنم مثوى للكافرين } يحصل بها الاشتفاء منهم، وأخذ حق الله من كل ظالم وكافر. إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13]. ولما ذكر الكاذب المكذب وجنايته وعقوبته، ذكر الصادق المصدق وثوابه، فقال: { والذي جآء بالصدق } في قوله وعمله، فدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر الله وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق. { وصدق به } أي: بالصدق لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، أو احتقاره لمن قاله وأتى به، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل على علمه وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره. { أولئك } أي: الذين وفقوا للجمع بين الأمرين { هم المتقون } فإن جميع خصال التقوى ترجع إلى الصدق بالحق والتصديق به. { لهم ما يشآءون عند ربهم } من الثواب، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فكل ما تعلقت به إرادتهم ومشيئتهم، من أصناف اللذات والمشتهيات، فإنه حاصل لهم، معد مهيأ، { ذلك جزآء المحسنين } الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم { المحسنين } إلى عباد الله. { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } عمل الإنسان له ثلاث حالات: إما أسوأ، أو أحسن، أو لا أسوأ ولا أحسن. والقسم الأخير قسم المباحات وما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأسوأ، المعاصي كلها، والأحسن، الطاعات كلها، فبهذا التفصيل، يتبين معنى الآية، وأن قوله: { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } أي: ذنوبهم الصغار، بسبب إحسانهم وتقواهم، { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } أي: بحسناتهم كلها إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [النساء: 40].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) · سورة الزمر: ٣٢–٣٥

الإحالة: (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٣٢–٣٥)