البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

العقيدة

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)

ت. محمد حامد الفقي · دار الكتاب العربي · بيروت · ١٣٩٣هـ · نص مشروع OpenITI

وهكذا جميع شواهد الصفات فما ذكرناه إنما هو أدنى تنبيه عليها فالكشف والعيان والمشاهدة لا تتجاوز الشواهد البتة فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله في الدرجة الثانية إنها معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته لا يريد به معرفته على نعته الذي هو عليه في الخارج من كل وجه فان هذا ممتنع على معرفه ما في الآخرة من المخلوقات كما قال ابن عباس ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء فكيف بمعرفة رب الأرض والسماء وإن غاية المعرفة أن تتعلق به على نعته على وجه مجمل أو مفصل تفصيلا من بعض الوجوه قوله علما يقطع الريبة ولا يشوبه حيرة هذا حق فان المعرفة متى شابها ريبة أو حيرة لم تكن معرفة صحيحة كما أن رؤية العين لو شابها ذلك لم تكن رؤية تامة فالمعرفة ما قطع الشك والريبة والوسواس قوله والمعاينة الثالثة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا إن أراد بالحق ضد الباطل أي تعاين ما هو حق بحيث ينكشف لها كما ينكشف المرئي للبصر فصحيح وإن أراد بالحق الرب تبارك وتعالى فإن لم يحمل كلامه على قوة اليقين ومزيد الإيمان ونزول الروح في مقام الإحسان وإلا فهو باطل فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاينه في هذه الدار بصر ولا روح بل المثال العلمي حظ الروح والقلب كما تقدم قوله والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة وتشاهد بهاء العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة يعني أن الأرواح خلقت للبقاء لا للفناء هذا هو الحق وما خالف فيه إلا شرذمة من الناس من أهل الإلحاد القائلين إن الأرواح تفنى بفناء الأبدان لكونها قوة من قواها وعرضا من أعراضها وهؤلاء قسمان أحدهما منكر لمعاد الأبدان والثاني من يقر بمعاد الأبدان ويقول إن الله عز وجل يعيد قوى البدن وأعراضه ومنها الروح

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين · الجزء ٣ · ص ٢٥٦

الإحالة: (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٣/٢٥٦)