ولا الأرضين على إصبع ولا الشجر على إصبع ونحو ذلك مما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله الصادق ومرادهم بالأغراض أنه لا يفعل لحكمة ولا لعلة غائية ولا سبب لفعله ولا غاية مقصودة ومرادهم بالحدود والجهات مسألة المباينة والعلو وأنه غير بائن عن خلقه ولا مستو على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي ولا تصعد إليه الأعمال ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد بل ليس هناك إلا العدم المحض الذي هو لا شيء فكمال الشهود عندهم أن يشهد العبد ذاتا مجردة عن كل اسم ووصف ونعت وشيخ الإسلام عدو هذه الطائفة وهو بريء منهم براءة الرسل منهم ولكن بقيت عليه مثل هذه البقية وهي جعل مشهد العين والذات فوق مشهد الصفات على أنه لا سبيل للقوى البشرية إلى شهود الذات الإلهية البتة ولا يقع الشهود على تلك الحقيقة ولا جعل ذلك إليها وإنما إليها شهود الصفات والأفعال وأما حقيقة الذات والعين فغير معلومة للبشرية ولما سأل المشركون رسول الله عن حقيقة ربه سبحانه من أي شيء هو أنزل الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولذلك لما سأل فرعون موسى عن حقيقة ربه بقوله وما رب العالمين أجابه موسى بقوله رب السموات والأرض وما بينهما إذ لا وصول للبشر إلى حقيقة ذاته فدلهم على نفسه بصفاته الثبوتية من كونه صمدا وصفاته السلبية المتضمنة للثبوت من كونه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة الذات والكنه فما هذا الشهود العين الذاتي الذي جعلتموه للمشاهد وجعلتموه فوق
العقيدة
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
ت. محمد حامد الفقي · دار الكتاب العربي · بيروت · ١٣٩٣هـ · نص مشروع OpenITI
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين · الجزء ٣ · ص ٢٣٤
الإحالة: (ابن القيم، ت ٧٥١هـ: ٣/٢٣٤)