البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

فصل وأما بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا شرعا

دم سائل أو لم يكن ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا ولا يخلو إما إن مات في الماء أو في غير الماء فإن لم يكن له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت ولا ينجس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماء أو غيره من المائعات كالخل واللبن والعصير وأشباه ذلك وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائي ونحوه وسواء كان السمك طافيا أو غير طاف وقال الشافعي إن كان شيئا يتولد من المائع كدود الخل أو ما يباح أكله بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا وله في الذباب والزنبور قولان ويحتج بظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ثم خص منه السمك والجراد بالحديث والذباب والزنبور بالضرورة ولنا ما ذكرنا أن نجاسة الميتة ليست لعين الموت فإن الموت موجود في السمك والجراد ولا يوجب التنجيس ولكن لما فيها من الدم المسفوح ولا دم في هذه الأشياء وإن كان له دم سائل فإن كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع الذي يموت فيه سواء كان ماء أو غيره وسواء مات في المائع أو في غيره ثم وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية لأن الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره إلا الآدمي إذا كان مغسولا لأنه طاهر ألا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وإن كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك فإن مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه قال لو أن حية من حيات الماء ماتت في الماء إن كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس وإن كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب الصلاة فقال لأن هذا مما يعيش في الماء ثم إن بعض المشايخ وهم مشايخ بلخ فهموا من تعليل محمد أنه لا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها لأن معدنها الماء فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج وبعضهم وهم مشايخ العراق فهموا من تعليله أنها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء وبين طبيعة الدم فلم تتنجس في نفسها لعدم الدم المسفوح فلا توجب تنجيس ما جاورها ضرورة وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة ألا ترى أن السمك يحل بغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لإراقة الدم المسفوح ولذا إذا شمس دمه يبيض ومن طبع الدم أنه إذا شمس اسود وإن مات في غير الماء فعلى قياس العلة الأولى يوجب التنجيس لأنه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها وروي عن نصير بن يحيى أنه قال سألت أبا مطيع البلخي وأبا معاذ عن الضفدع يموت في العصير فقالا يصب وسألت أبا عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقالا لا يصب وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان يقول يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهكذا روى هشام عنهم وهذا أشبه بالفقه والله أعلم ويستوي الجواب بين المتفسخ وغيره في طهارة الماء ونجاسته إلا أنه يكره شرب المائع الذي تفسخ فيه لأنه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله ثم الحد الفاصل بين المائي والبري أن المائي هو الذي لا يعيش إلا في الماء والبري هو الذي لا يعيش إلا في البر وأما الذي يعيش فيهما جميعا كالبط والأوز ونحو ذلك فلا خلاف أنه إذا مات في غير الماء يوجب التنجيس لأنه له دما سائلا والشرع لم يسقط اعتباره حتى لا يباح أكله بدون الزكاة ( ( ( الذكاة ) ) ) بخلاف السمك وإن مات في الماء روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يفسد هذا الذي ذكرنا حكم وقوع النجاسة في المائع فأما إذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة أما حكم الثوب والبدن فنقول وبالله التوفيق النجاسة لا تخلو إما إن كانت غليظة أو خفيفة قليلة أو كثيرة أما النجاسة القليلة فإنها لا تمنع جواز الصلاة سواء كانت خفيفة أو غليظة استحسانا والقياس أن تمنع وهو قول زفر والشافعي إلا إذا كانت لا تأخذها العين أو ما لا يمكن الاحتراز عنه وجه القياس أن الطهارة عن النجاسة الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) شرط جواز الصلاة كما أن الطهارة عن النجاسة الحكمية وهي الحدث شرط ثم هذا الشرط ينعدم بالقليل من الحدث بأن بقي على جسده لمعة فكذا بالقليل من النجاسة الحقيقية ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن القليل من النجاسة في الثوب فقال إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة ولأن القليل من النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه فإن

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ٧٩

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/٧٩)