البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب النكاح › فصل وأما بيان ما يجب به المهر

إلى ما لا يتناهى فلم يكن الرد مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان سفها فلا يثبت لها حق الرد وكذلك الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد لما قلنا بخلاف البيع أنه يثبت فيه خيار الرؤية لأن البيع ينفسخ برد المبيع ويرجع بالثمن فكان الرد مفيدا لذلك افترقا وهل يثبت خيار العيب في المهر ينظر في ذلك إن كان العيب يسيرا لا يثبت وإن كان فاحشا يثبت وكذلك هذا في بدل الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد بخلاف البيع والإجارة وبدل الصلح على مال أنه يرد بالعيب اليسير والفاحش لأن هناك ينفسخ العقد برده وههنا لا ينفسخ وإذا لم ينفسخ فيقبض مثله فربما يجد فيه عيبا يسيرا أيضا لأن الأعيان لا تخلو عن قليل عيب عادة فيرده ثم يقبض مثله فيؤدي إلى ما لا يتناهى فلا يفيد الرد وهذا المعنى لا يوجد في البيع والإجارة لأنه ينفسخ العقد بالرد فكان الرد مفيدا ولأن حق الرد بالعيب إنما يثبت استدراكا للفائت وهو صفة السلامة المستحقة بالعقد والعيب إذا كان يسيرا لا يعرف الفوات بيقين لأن العيب اليسير يدخل تحت تقويم المقومين لا يخلو عنه فمن مقوم يقومه بدون العيب بألف ومن مقوم يقومه مع العيب بألف أيضا فلا يعلم فوات صفة السلامة بيقين فلا حاجة إلى الاستدراك بالرد بخلاف العيب الفاحش لأنه لا يختلف فيه المقومون فكان الفوات حاصلا بيقين فتقع الحاجة إلى استدراك الفائت بالرد إلا أن هذا المعنى يشكل بالبيع وأخواته فإن العيب اليسير فيها يوجب حق الرد وإن كان هذا المعنى موجودا فيها فالأصح هو الوجه الأول ولا شفعة في المهر لأن من شرائط ثبوت حق الشفعة معاوضة المال بالمال لما نذكره في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى والنكاح معاوضة البضع بالمال فلا يثبت فيه حق الشفعة فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة الدخول والخلوة الصحيحة وموت أحد الزوجين سواء كان مسمى أو مهر المثل حتى لا يسقط شيء منه بعد ذلك إلا بالإبراء من صاحب الحق أما التأكد بالدخول فمتفق عليه والوجه فيه أن المهر قد وجب بالعقد وصار دينا في ذمته والدخول لا يسقطه لأنه استيفاء المعقود عليه واستيفاء المعقود عليه يقرر البدل لا أن يسقطه كما في الإجارة ولأن المهر يتأكد بتسليم المبدل من غير استيفائه لما نذكر فلأن يتأكد بالتسليم مع الاستيفاء أولى وأما التأكد بالخلوة فمذهبنا وقال الشافعي لا يتأكد المهر بالخلوة حتى لو خلا بها خلوة صحيحة ثم طلقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية يجب عليه كمال المسمى عندنا وعنده نصف المسمى وإن لم يكن في النكاح تسمية يجب عليه كمال مهر المثل عندنا وعنده يجب عليه المتعة وعلى هذا الاختلاف وجوب العدة بعد الخلوة قبل الدخول عندنا تجب وعنده لا تجب واحتج بقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم أوجب الله تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية لأن المراد من المس هو الجماع ولم يفصل بين حال وجود الخلوة وعدمها فمن أوجب كل المفروض فقد خالف النص وقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن أي ولم تفرضوا لهن فريضة فمتعوهن أوجب الله تعالى لهن المتعة في الطلاق في نكاح لا تسمية فيه مطلقا من غير فصل بين حال وجود الخلوة وعدمها وقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن فدلت الآية الشريفة على نفي وجوب العدة ووجوب المتعة قبل الدخول من غير فصل ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد ولا ضرورة لها في التوقف لأن الزوج لا يخلو إما أن يستوفي أو يطلق فإن استوفى تأكد حقها وإن طلق يفوت عليها نصف المهر لكن بعوض هو خير لها لأن المعقود عليه يعود عليها سليما مع سلامة نصف المهر لها بخلاف الإجارة أنه تتأكد الأجرة فيها بنفس التخلية ولا يتوقف التأكد على استيفاء المنافع لأن في التوقف هناك ضرر ( ( ( ضررا ) ) ) بالأجر لأن الإجارة مدة معلومة فمن الجائز أن يمنع المستأجر من استيفاء المنافع مدة الإجارة بعد التخلية فلو توقف تأكد الأجرة على حقيقة الاستيفاء وربما لا يستوفى لفائت المنافع عليه مجانا بلا عوض فيتضرر به الأجر فأقيم التمكن من الانتفاع مقام استيفاء المنفعة دفعا للضرر عن الآجر وههنا لا ضرر في التوقف على ما بينا فتوقف التأكد على حقيقة الاستيفاء ولم يوجد فلا يتأكد ولنا قوله عز وجل وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ٢ · ص ٢٩١

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ٢/٢٩١)