البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الحج › فصل وأما الذي يرجع إلى النبات

الاختلاف فيه فيما تقدم ومنها إذا أمن عليه بنفسه حال قدرته على الأداء بنفسه فلا يجوز استنابة غيره مع قدرته على الحج بنفسه وجملة الكلام فيه أن العبادات في الشرع أنواع ثلاثة مالية محضة كالزكاة والصدقات والكفارات والعشور وبدنية محضة كالصلاة والصوم والجهاد ومشتملة على البدن والمال كالحج فالمالية المحضة تجوز فيها النيابة على الإطلاق وسواء كان من عليه قادرا على الأداء بنفسه أو لا لأن الواجب فيها إخراج المال وأنه يحصل بفعل النائب والبدنية المحضة لا تجوز فيها النيابة على الإطلاق لقوله عز وجل وأن ليس للإنسان إلا ما سعى إلا ما خص بدليل وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد ن أحد أي في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب فإن من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن آمن بوحدانية الله تعالى وبرسالته صلى الله عليه وسلم وروى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي كانت تحب الصدقة أفأتصدق عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدق وعليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها والتكفين والصدقات والصوم والصلاة وجعل ثوابها للأموات ولا امتناع في العقل أيضا لأن إعطاء الثواب من الله تعالى افضال منه لا استحقاق عليه فله أن يتفضل على من عمل لأجله بجعل الثواب له كما له أن يتفضل بإعطاء الثواب من غير عمل رأسا وأما المشتملة على البدن والمال وهي الحج فلا يجوز فيها النيابة عند القدرة ويجوز عند العجز والكلام فيه يقع في مواضع في جواز النيابة في الحج في الجملة وفي بيان كيفية النيابة فيه وفي بيان شرائط جواز النيابة وفي بيان ما يصير النائب به مخالفا وبيان حكمه إذا خالف أما الأول فالدليل على الجواز حديث الخثعمية وهو ما روي أن امرأة جاءت من بني خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي وأنه شيخ كبير لا يثبت على الراحلة وفي رواية لا يستمسك على الراحلة أفيجزيني أن أحج عنه فقال صلى الله عليه وسلم حجي عن أبيك واعتمري وفي رواية قال لها أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أما كان يقبل منك قالت نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فدين الله تعالى أحق ولأنه عبادة تؤدى بالبدن والمال فيجب اعتبارهما ولا يمكن اعتبارهما في حالة واحدة لتناف بين أحكامهما فنعتبرهما في حالين فنقول لا تجوز النيابة فيه عند القدرة اعتبارا للبدن وتجوز عند العجز اعتبارا للمال عملا بالمعنيين في الحالين وأما كيفية النيابة فيه فذكر في الأصل أن الحج يقع عن المحجوج عنه وروي عن محمد أن نفس الحج يقع عن الحاج وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة وجه رواية محمد أنه عبادة بدنية ومالية والبدن للحاج والمال للمحجوج عنه فما كان من البدن لصاحب البدن وما كان بسبب المال يكون لصاحب المال والدليل عليه أنه لو ارتكب شيئا من محظورات الإحرام فكفارته في ماله لا في مال المحجوج عنه وكذا لو أفسد الحج يجب عليه القضاء فدل أن نفس الحج يقع له إلا أن الشرع أقام ثواب نفقة الحج في حق العاجز عن الحج بنفسه مقام الحج بنفسه نظرا له ومرحمة عليه وجه رواية الأصل ما روينا من حديث الخثعمية حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم حجي عن أبيك أمرها بالحج عن أبيها ولولا أن حجها يقع عن أبيها لما أمرها بالحج عنه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس دين الله تعالى بدين العباد بقوله أرأيت لو كان على أبيك دين وذلك تجزىء فيه النيابة ويقوم فعل النائب مقام فعل المنوب عنه كذا هذا والدليل عليه أن الحاج يحتاج إلى نية المحجوج عنه كذا الإحرام ولو لم يقع نفس الحج عنه لكان لا يحتاج إلى نيته والله أعلم وأما شرائط جواز النيابة فمنها أن يكون المحجوم ( ( ( المحجوج ) ) ) عنه عاجزا عن أداء الحج بنفسه وله مال فإن كان قادرا على الأداء بنفسه بأن كان صحيح البدن وله مال لا يجوز حج غيره عنه لأنه إذا كان قادرا على الأداء ببدنه وله مال فالفرض يتعلق ببدنه لا بماله بل المال يكون شرطا وإذا تعلق الفرض ببدنه لا تجزىء فيه النيابة كالعبادات البدنية المحضة وكذا لو كان فقيرا صحيح البدن لا يجوز حج

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ٢ · ص ٢١٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ٢/٢١٢)