البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الحج › فصل وأما الذي يرجع إلى الطيب وما يجري مجراه

ولأن الطيب ماله رائحة طيبة وللحناء رائحة طيبة فكان طيبا وإن خضبت المحرمة يديها بالحناء فعليها دم وإن كان قليلا فعليها صدقة لأن الارتفاق الكامل لا يحصل إلا بتطييب عضو كامل والقسط طيب لأن له رائحة طيبة ولهذا يتبخر به ويلتذ برائحته والوسمة ليس بطيب لأنه ليس لها رائحة طيبة بل كريهة وإنما تغير الشعر وذلك ليس من باب الارتفاق بل من باب الزينة فإن خاف أن يقتل دواب الرأس تصدق بشيء لأنه يزيل التفث وروي عن أبي يوسف فيمن خضب رأسه بالوسمة أن عليه دما لا لأجل الخضاب بل لأجل تغطية الرأس والكحل ليس بطيب وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب وقال ابن أبي ليلى هو طيب وليس للمحرم أن يكتحل به وهذا غير سديد لأنه ليس له رائحة طيبة فلا يكون طيبا ويستوي في وجوب الجزاء بالتطيب الذكر والنسيان والطوع والكره عندنا كما في لبس المخيط خلافا للشافعي على ما مر والرجل والمرأة في الطيب سواء في الحظر ووجوب الجزاء لاستوائهما في الحاظر والموجب للجزاء وكذا القارن والمفرد إلا أن على القارن مثلي ما على المفرد عندنا لأنه محرم بإحرامين فأدخل نقصا في إحرامين فيؤاخذ بجزاءين ولا يحل للقارن والمفرد التطيب ما لم يحلقا أو يقصرا لبقاء الإحرام قبل الحلق أو التقصير فكان الحاظر باقيا فيبقى الحظر وكذا المعتمر لما قلنا وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والله أعلم فحلق الشعر وقلم الظفر أما الحلق فنقول لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقول النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحاج فقال الشعث التفث وحلق الرأس يزيل الشعث والتفث ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين والمحرم ممنوع عن ذلك ولأنه نوع نبات استفاد إلا من بسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنبات الذي استفاد إلا من بسبب الحرم وهو الشجر والخلي وكذا لا يطلي رأسه بنورة لأنه في معنى الحلق وكذا لا يزيل شعرة من شعر رأسه ولا يطليها بالنورة لما قلنا فإن حلق رأسه فإن حلقه من غير عذر فعليه دم لا يجزيه غيره لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة وإن حلقه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة لقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولما روينا من حديث كعب بن عجرة ولأن الضرورة لها أثر في التخفيف فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفا وتيسيرا وإن حلق ثلثه أو ربعه فعليه دم وإن حلق دون الربع فعليه صدقة كذا ذكر في ظاهر الرواية ولم يذكر الاختلاف وحكى الطحاوي في مختصره الاختلاف فقال إذا حلق ربع رأسه يجب عليه الدم في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه وذكر القدوري في شرحه مختصر الحاكم إذا حلق ربع رأسه يجب عليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف إذا حلق أكثره يجب وعند محمد إذا حلق شعرة يجب وقال الشافعي إذا حلق ثلاث شعرات يجب وقال مالك لا يجب إلا بحلق الكل وعلى هذا إذا حلق لحيته أو ثلثها أو ربعها احتج مالك بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله والرأس اسم لكل هذا المحدود وجه قول الشافعي أن الثلاث جمع صحيح فيقوم مقام الكل ولهذا قام مقام الكل في مسح الرأس ولأن الشعر نبات استفاد إلا من بسبب الإحرام فيستوي فيه قليله وكثيره كالنبات الذي استفاد إلا من بسبب الحرم من الشجر والخلي وأما الكلام بين أصحابنا فمبني على أن حلق الكثير يوجب الدم والقليل يوجب الصدقة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فجعل أبو حنيفة ما دون الربع قليلا والربع وما فوقه كثيرا وهما على ما ذكر الطحاوي جعلا ما دون النصف قليلا وما زاد على النصف كثيرا والوجه لهما أن القليل والكثير من أسماء المقابلة وإنما يعرف ذلك بمقابلة فإن كان مقابله قليلا فهو كثير وإن كان كثيرا فهو قليل فيلزم منه أن يكون الربع قليلا لأن ما يقابله كثير فكان هو قليلا والوجه لأبي حنيفة أن الربع في حلق الرأس بمنزلة الكل ألا ترى أن من عادة كثير من الأجيال من العرب والترك والكرد الاقتصار على حلق ربع الرأس ولذا يقول القائل رأيت فلانا يكون صادقا في مقالته وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربع ولهذا أقيم مقام الكل في المسح وفي الخروج من الإحرام بأن حلق ربع رأسه للتحلل

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ٢ · ص ١٩٢

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ٢/١٩٢)