البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الصلاة › فصل أما الواجبات الأصلية في الصلاة

والأركان في الفرائض تؤدي على سبيل الشهرة دون الإخفاء ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلوات كلها في الابتداء إلى أن قصد الكفار أن لا يسمعوا القرآن وكادوا يلغون فيه فخافت النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة في الظهر والعصر لأنهم كانوا مستعدين للأذى في هذين الوقتين ولهذا كان يجهر في الجمعة والعيدين لأنه أقامهما بالمدينة وما كان للكفار بالمدينة قوة الأذى ثم وإن زال هذا العذر بقيت هذه السنة كالرمل في الطواف ونحوه ولأنه واظب على المخافتة فيهما في عمره فكانت واجبة ولأنه وصف صلاة النهار بالعجماء وهي التي لا تبين ولا يتحقق هذا الوصف لها إلا بترك الجهر فيها وكذا واظب على الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت وذلك دليل الوجوب وعلى هذا عمل الأمة ويخفى القراءة فيما سوى الأوليين لأن الجهر صفة القراءة المفروضة والقراءة ليست بفرض في الأخريين لما بينا فيما تقدم وإذا ثبت هذا فنقول إذا جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر فإن كان عامدا يكون مسيئا وإن كان ساهيا فعليه سجود السهو لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت وترك الواجب عمدا يوجب الإساءة وسهوا يوجب سجود السهو وإن كان منفردا فإن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت لا محالة وهو رواية الأصل وذكر أبو يوسف في الإملاء إن زاد على ما يسمع أذنيه فقد أساء وذكر عصام بن أبي يوسف في مختصره وأثبت له خيار الجهر والمخافتة استدلالا بعدم وجوب السهو عليه إذا جهر والصحيح رواية الأصل لقوله صلى الله عليه وسلم صلاة النهار عجماء من غير فصل ولأن الإمام مع حاجته إلى إسماع غيره يخافت فالمنفرد أولى ولو جهر فيها بالقراءة فإن كان عامدا يكون مسيئا كذا ذكر الكرخي في صلاته وإن كان ساهيا لا سهو عليه نص عليه في باب السهو بخلاف الإمام والفرق أن سجود السهو يجب لجبر النقصان والنقصان في صلاة الإمام أكثر لأن إساءته أبلغ لأنه فعل شيئين نهى عنهما أحدهما أنه رفع صوته في غير موضع الرفع والثاني أنه أسمع من أمر بالإخفاء عنه والمنفرد رفع الصوت ( ( ( صوته ) ) ) فقط فكان النقصان في صلاته أقل وما وجب لجبر الأعلى لا يجب لجبر الأدنى وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة فهو بالخيار إن شاء جهر وإن شاء خافت وذكر الكرخي إن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه ولا يزيد على ذلك وذكر في عامة الروايات مفسرا أنه بين خيارات ثلاث إن شاء جهر وأسمع غيره وإن شاء جهر وأسمع نفسه وإن شاء أسر القراءة أما كون له أن يجهر فلأن المنفرد إمام في نفسه وللإمام أن يجهر وله أن يخافت بخلاف الإمام لأن الإمام يحتاج إلى الجهر لإسماع غيره والمنفرد يحتاج إلى إسماع نفسه لا غير وذلك يحصل بالمخافتة وذكر في رواية أبي حفص الكبير إن الجهر أفضل لأن فيه تشبيها بالجماعة والمنفرد إن عجز عن تحقيق الصلاة بجماعة لم يعجز عن التشبه ولهذا إذا أذن وأقام كان أفضل هذا في الفرائض وأما في التطوعات فإن كان في النهار يخافت وإن كان في الليل فهو بالخيار إن شاء خافت وإن شاء جهر والجهر أفضل لأن النوافل اتباع الفرائض والحكم في الفرائض كذلك حتى لو كان بجماعة كما في التراويح يجب الجهر ولا يتخير كما في الفرائض وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى بالليل سمعت قراءته من وراء الحجاب وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي بكر رضي الله عنه وهو يتهجد بالليل ويخفي القراءة ومر بعمر وهو يتهجد ويجهر بالقراءة ومر ببلال وهو يتهجد وينتقل من سورة إلى سورة فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل كل واحد منهم عن حاله فقال أبو بكر رضي الله عنه كنت أسمع من أناجي وقال عمر رضي الله عنه كنت أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان وقال بلال رضي الله عنه كنت أنتقل من بستان إلى بستان فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ارفع من صوتك قليلا ويا عمر اخفض من صوتك قليلا ويا بلال إذا افتتحت ( ( ( فتحت ) ) ) سورة فأتمها ثم المنفرد إذا خافت وأسمع أذنيه يجوز بلا خلاف لوجود القراءة بيقين إذ السماع بدون القراءة لا يتصور وأما إذا صحح الحروف بلسانه وأداها على وجهها ولم يسمع أذنيه ولكن وقع له العلم بتحريك اللسان وخروج الحروف من مخارجها فهل تجوز صلاته اختلف فيه ذكر الكرخي أنه يجوز وهو قول أبي بكر البلخي المعروف بالأعمش وعن الشيخ أبي القاسم الصفار والفقيه أبي جعفر الهندواني

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ١٦١

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/١٦١)