البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

الفقه الحنفي

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

علاء الدين الكاساني (ت ٥٨٧هـ)

دار الكتاب العربي، بيروت · ١٤٠٢هـ/١٩٨٢م · نص مشروع OpenITI

كتاب الصلاة › فصل وأما شرائط الأركان

وإذا كان الستر فرضا كان الانكشاف مانعا جواز الصلاة ضرورة والكلام في بيان ما يكون عورة وما لا يكون موضعه كتاب الاستحسان وإنما الحاجة ههنا إلى بيان المقدار الذي يمنع جواز الصلاة فنقول قليل الانكشاف لا يمنع الجواز لما فيه من الضرورة لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة والكثير يمنع لعدم الضرورة واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير فقدر أبو حنيفة ومحمد الكثير بالربع وقالا ( ( ( فقالا ) ) ) الربع وما فوقه من العضو كثير وما دون الربع فيه قليل وأبو يوسف جعل الأكثر من النصف كثيرا وما دون النصف قليلا واختلفت الرواية عنه في النصف فجعله في حكم القليل في الجامع الصغير وفي حكم الكثير في الأصل وجه قول أبي يوسف أن القليل والكثير من المتقابلات فإنما تظهر بالمقابلة فما كان مقابلة أقل منه فهو كثير وما كان مقابله أكثر منه فهو قليل ولهما أن الشرع أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع كما في حلق ربع الرأس في حق المحرم ومسح ربع الرأس كذا ههنا إذ الموضع موضع الاحتياط وأما قوله إن القليل والكثير من أسماء المقابلة فإنما يعرف ذلك بمقابله فنقول الشرع قد جعل الربع كثيرا في نفسه من غير مقابلة في بعض المواضع على ما بينا فلزم الأخذ به في موضع الاحتياط ثم كثير الانكشاف يستوي فيه العضو الواحد والأعضاء المتفرقة حتى لو انكشف من أعضاء متفرقة ما لو جمع لكان كثيرا يمنع جواز الصلاة ويستوي فيه العورة الغليظة وهي القبل والدبر والخفيفة كالفخذ ونحوه ومن الناس من قدر العورة الغليظة بالدرهم تغليظا لأمرها وهذا غير سديد لأن العورة الغليظة كلها لا تزيد على الدرهم فتقديرها بالدرهم يكون تخفيفا لأمرها لا تغليظا له فتنعكس القضية وذكر محمد في الزيادات ما يدل على أن حكم الغليظة والخفيفة واحد فإنه قال في امرأة صلت فانكشف شيء من شعرها وشيء من ظهرها وشيء من فرجها وشيء من فخذها إنه إن كان بحال لو جمع بلغ الربع منع أداء الصلاة وإن لم يبلغ لا يمنع فقد جمع بين العورة الغليظة والخفيفة واعتبر فيها الربع فثبت أن حكمها لا يختلف وإن الخلاف فيهما واحد وهذا في حالة القدرة فأما في حالة العجز فالانكشاف لا يمنع جواز الصلاة بأن حضرته الصلاة وهو عريان لا يجد ثوبا للضرورة ولو كان معه ثوب نجس فلا يخلو إما إن كان الربع منه طاهرا وأما إن كان كله نجسا فإن كان ربعه طاهرا لم يجزه أن يصلي عريانا بل يجب عليه أن يصلي في ذلك الثوب لأن الربع فما فوقه في حكم الكمال كما في مسح الرأس وحلق المحرم ربع الرأس وكما يقال رأيت فلانا وإن عاينه من إحدى جهاته الأربع فجعل كأن الثوب كله طاهرا ( ( ( طاهر ) ) ) وإن كان كله نجسا أو الطاهر منه أقل من الربع فهو بالخيار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف إن شاء صلى عريانا وإن شاء مع الثوب لكن الصلاة في الثوب أفضل وقال محمد لا تجزئه إلا مع الثوب وجه قوله أن ترك استعمال النجاسة فرض وستر العورة فرض إلا أن ستر العورة أهمهما وآكدهما لأنه فرض في الأحوال أجمع وفرضية ترك استعمال النجاسة مقصورة على حالة الصلاة فيصار إلى الأهم فتستر العورة ولا تجوز الصلاة بدونه ويتحمل استعمال النجاسة ولأنه لو صلى عريانا كان تاركا فرائض منها ستر العورة والقيام والركوع والسجود ولو صلى في الثوب النجس كان تاركا فرضا واحدا وهو ترك استعمال النجاسة فقط فكان هذا الجانب أهون وقد قالت عائشة رضي الله عنها ما خير رسول الله بين شيئين إلا اختار أهونهما فمن ابتلي ببليتين فعليه أن يختار أهونهما ولهما أن الجانبين في الفرضية في حق الصلاة على السواء ألا ترى أنه كما لا تجوز الصلاة حالة الاختيار عريانا لا تجوز مع الثوب المملوء نجاسة ولا يمكن إقامة أحد الفرضين في هذه الحالة إلا بترك الآخر فسقطت فرضيتهما في حق الصلاة فيخير فيجزئه كيف ما فعل إلا أن الصلاة في الثوب أفضل لما ذكر محمد ومنها استقبال القبلة لقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وقول النبي لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر وعليه إجماع الأمة والأصل أن استقبال القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه بدليل أنه لا يجب الاستقبال فيما هو رأس العبادات وهو الإيمان وكذا في عامة العبادات من الزكاة والصوم والحج وإنما عرف شرطا في باب الصلاة شرعا فيجب اعتباره بقدر ما ورد الشرع به وفيما وراءه يرد إلى أصل القياس ثم جملة الكلام في هذا الشرط أن المصلي لا يخلو إما أن كان قادرا على الاستقبال أو كان عاجزا عنه فإن كان قادرا يجب عليه التوجه إلى القبلة إن كان في حال مشاهدة الكعبة فإلى عينها أي أي جهة كانت من جهات الكعبة حتى لو كان منحرفا عنها غير متوجه إلى شيء منها لم يجز لقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء ١ · ص ١١٧

الإحالة: (الكاساني، ت ٥٨٧هـ: ١/١١٧)