البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة النبإ (78) : آية

والاتخاذ: مبالغة في الأخذ، أي أخذ أخذا يشبه المطاوعة في التمكن، فالتاء فيه ليست للمطاوعة الحقيقة بل هي مجاز وصارت بمنزلة الأصلية. والاتخاذ: الاكتساب والجعل، أي ليقتن مكانا بأن يؤمن ويعمل صالحا لينال مكانا عند الله لأن المآب عنده لا يكون إلا خيرا. فقوله: إلى ربه دل على أنه مآب خير لأن الله لا يرضى إلا بالخير. والمآب يكون اسم مكان من آب، إذا رجع فيطلق على المسكن لأن المرء يؤوب إلى مسكنه، ويكون مصدرا ميميا وهو الأوب، أي الرجوع كقوله تعالى: إليه أدعوا وإليه مآب [الرعد: 36] ، أي رجوعي، أي فليجعل أوبا مناسبا للقاء ربه، أي أوبا حسنا. [40] إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40) إنا أنذرناكم عذابا قريبا اعتراض بين مآبا [النبأ: 39] وبين وم ينظر المرء ما قدمت يداه كيفما كان موقع ذلك الظرف حسبما يأتي. والمقصود من هذه الجملة الإعذار للمخاطبين بقوارع هذه السورة بحيث لم يبق بينهم وبين العلم بأسباب النجاة وضدها شبهة ولا خفاء. فالخبر وهونا أنذرناكم عذابا قريبا مستعمل في قطع العذر وليس مستعملا في إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذارا أمر معلوم للمخاطبين. وافتتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك. وجعل المسند فعلا مسندا إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوي الحكم، مع تمثيل المتكلم في مثل المتبرئ من تبعة ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضر إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإنذار بالعدو «أنا النذير العريان» . والإنذار: الإخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب. وعبر عنه بالمضي لأن أعظم الإنذار قد حصل بما تقدم من قوله:

التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · ص ٥٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٥٥)