البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة النبإ (78) : الآيات 24 إلى

والغساق: قرأه الجمهور بتخفيف السين: وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه. ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المهل، وتقدما في سورة (ص) . واستثناء حميما وغساقا من بردا أو شرابا على طريقة اللف والنشر المرتب، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ هو شديد الحر، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب، إذ ليس المهل من جنس الشراب. والمعنى: يذوقون الحميم إذ يراق على أجسادهم، والغساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم. وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة. وجزاء منصوب على الحال من ضمير يذوقون، أي حالة كون ذلك جزاء، أي مجازى به، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف. والوفاق: مصدر وافق وهو مؤول بالوصف، أي موافقا للعمل الذي جوزوا عليه، وهو التكذيب بالبعث وتكذيب القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله: إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا [النبأ: 27، 28] . فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر، وهما أصلان: أحدهما عدمي وهو إنكار البعث، والآخر وجودي وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حرمانهم من البرد والشراب، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمر على جراحهم.

التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · ص ٣٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/٣٨)