سورة القلم › [سورة النبإ (78) : آية
نظام الليل آية على انفراد الله تعالى بالخلق وبديع تقديره. وكان دليلا على أن إعادة الأجسام بعد الفناء غير متعذرة عليه تعالى فلو تأمل المنكرون فيها لعلموا أن الله قادر على البعث فلما كذبوا خبر الرسول صلى الله عليه وسلم به، وفي ذلك امتنان عليهم بهذا النظام الذي فيه اللطف بهم وراحة حياتهم لو قدروه حق قدره لشكروا وما أشركوا، فكان تذكر حالة الليل سريع الخطور بالأذهان عند ذكر حالة النوم فكان ذكر النوم مناسبة للانتقال إلى الاستدلال بحالة الليل على حسب أفهام السامعين. والمعنى من جعل الليل لباسا يحوم حول وصف حالة خاصة بالليل عبر عنها باللباس. فيجوز أن يكون اللباس محمولا على معنى الاسم وهو المشهور في إطلاقه، أي ما يلبسه الإنسان من الثياب فيكون وصف الليل به على تقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ، أي جعلنا الليل للإنسان كاللباس له، فيجوز أن يكون وجه الشبه هو التغشية. وتحته ثلاثة معان: أحدها: أن الليل ساتر للإنسان كما يستره اللباس، فالإنسان في الليل يختلي بشؤونه التي لا يرتكبها في النهار لأنه لا يحب أن تراها الأبصار، وفي ذلك تعريض بإبطال أصل من أصول الدهريين أن الليل رب الظلمة وهو معتقد المجوس وهم الذين يعتقدون أن المخلوقات كلها مصنوعة من أصلين، أي إلهين: إله النور وهو صانع الخير، وإله الظلمة وهو صانع الشر. ويقال لهم: الثنوية لأنهم أثبتوا إلهين اثنين، وهم فرق مختلفة المذاهب في تقرير كيفية حدوث العالم عن ذينك الأصلين، وأشهر هذه الفرق فرقة تسمى المانوية نسبة إلى رجل يقال له: (ماني) فارسي قبل الإسلام، وفرقة تسمى مزدكية نسبة إلى رجل يقال له: (مزدك) فارسي قبل الإسلام. وقد أخذ أبو الطيب معنى هذا التعريض في قوله: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب المعنى الثاني: من معنيي وجه الشبه باللباس: أنه المشابهة في الرفق باللابس والملاءمة لراحته، فلما كان الليل راحة للإنسان وكان محيطا بجميع حواسه وأعصابه