البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة الإنسان (76) : الآيات 23 إلى

والطاعة: امتثال الطلب بفعل المطلوب وبالكف عن المنهي عنه فقد كان المشركون يعمدون إلى الطلب من النبيء صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يرغبون، مثل طرد ضعفاء المؤمنين من المجلس، والإتيان بقرآن غير هذا أو تبديله بما يشايع أحوالهم، وأن يكف عما لا يريدون وقوعه من تحقير آلهتهم، والجهر بصلاته، فحذره الله من الاستماع لقولهم وإياسهم من حصول مرغوبهم. ومقتضى الظاهر أن يقول: ولا تطعهم، أو ولا تطع منهم أحدا، فعدل عنه إلى آثما أو كفورا للإشارة بالوصفين إلى أن طاعتهم تفضي إلى ارتكاب إثم أو كفر، لأنهم في ذلك يأمرونه وينهونه غالبا فهم لا يأمرون إلا بما يلائم صفاتهم. فالمراد بالآثم والكفور: الصنفان من الموصوفين وتعليق الطاعة المنهي عنها بهذين النوعين مشعر بأن الوصفين علة في النهي. والآثم والكفور متلازمان فكان ذكر أحد الوصفين مغنيا عن الآخر ولكن جمع بينهما لتشويه حال المتصف بهما قال تعالى: والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة: 276] . وفي ذكر هذين الوصفين إشارة أيضا إلى زعيمين من زعماء الكفر والعناد وهما عتبة ابن ربيعة، والوليد بن المغيرة، لأن عتبة اشتهر بارتكاب المآثم والفسوق، والوليد اشتهر بشدة الشكيمة في الكفر والعتو. وقد كانا كافرين فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم لأولهما. والمبالغة في الكفر لثانيهما، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة (كفور) . قيل عرض عتبة على النبيء صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش. وعرض الوليد عليه أن يعطيه من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة، وكان الوليد من أكثر قريش مالا وهو الذي قال الله في شأنه: وجعلت له مالا ممدودا [المدثر: 12] . فيكون في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما. وأيا ما كان فحرف أو لم يعد أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو أشياء في خبر أو طلب، وهذا التشريك يفيد تخييرا، أو إباحة، أو تقسيما، أو شكا، أو تشكيكا بحسب المواقع وبحسب عوامل الإعراب، لتدخل أو التي

التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · ص ٤٠٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٠٤)