البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة الإنسان (76) : الآيات 23 إلى

24] إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) من هنا يبتدىء ما لا خلاف في أنه مكي من هذه السورة. وعلى كلا القولين فهذا استئناف ابتدائي، ويجيء على قول الجمهور أن السورة كلها مكية وهو الأرجح، أنه استئناف للانتقال من الاستدلال على ثبوت البعث بالحجة والترهيب والوعيد للكافرين به والترغيب والوعد للمؤمنين به بمرهبات ومرغبات هي من الأحوال التي تكون بعد البعث، فلما استوفى ذلك ثني عنان الكلام إلى تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والربط على قلبه لدفاع أن تلحقه آثار الغم على تصلب قومه في كفرهم وتكذيبهم بما أنزل عليه مما شأنه أن يوهن العزيمة البشرية، فذكره الله بأنه نزل عليه الكتاب لئلا يعبأ بتكذيبهم. وفي إيراد هذا بعد طول الكلام في أحوال الآخرة، قضاء لحق الاعتناء بأحوال الناس في الدنيا فابتدئ بحال أشرف الناس وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بحال الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين من يحبون العاجلة [الإنسان: 27] ومن اتخذ إلى ربه سبيلا [الإنسان: 29] فأدخلهم في رحمته. وتأكيد الخبر ب (إن) للاهتمام به. وتأكيد الضمير المتصل بضمير منفصل في قوله: إنا نحن لتقرير مدلول الضمير تأكيدا لفظيا للتنبيه على عظمة ذلك الضمير ليفضي به إلى زيادة الاهتمام بالخبر إذ يتقرر أنه فعل من ذلك الضميران له لأنه لا يفعل إلا فعلا منوطا بحكمة وأقصى الصواب. وهذا من الكناية الرمزية، وبعد فالخبر بمجموعه مستعمل في لازم معناه وهو التثبيت والتأييد فمجموعه كناية ومزية. وإيثار فعل نزلنا الدال على تنزيله منجما آيات وسورا تنزيلا مفرقا إدماج للإيماء إلى أن ذلك كان من حكمة الله تعالى التي أومأ إليها تأكيد الخبر ب (إن) وتأكيد الضمير المتصل بالضمير المنفصل، فاجتمع فيه تأكيد على تأكيد وذلك

التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · ص ٤٠٢

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٤٠٢)