البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › سورة البقرة (2) : آية 199

فقوله: من حيث أفاض الناس أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة. وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة، ولولا ما جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة وليناسب قوله بعد: فإذا قضيتم مناسككم [البقرة: 200] . وقوله: من ربكم عطف على أفيضوا من حيث أفاض الناس أمرهم بالاستغفار كما أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام. وفيه تعريض بقريش فيما كانوا عليه من ترك الوقوف بعرفة. [200، 202] فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) تفريع على قوله: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس [البقرة: 199] لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل رمي الجمار، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك، وقضيت مناسكه. وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد تم الحج وحل للحاج كل شيء إلا قربان النساء. والمناسك جمع منسك مشتق من نسك نسكا من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى: وأرنا مناسكنا [البقرة: 128] فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله: قضيتم لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم. وقرأ الجميع مناسككم بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما وهو الإدغام الكبير (1) .

التحرير والتنوير · الجزء ٢ · ص ٢٤٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٢٤٤)