البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الواقعة › [سورة الملك (67) : آية

فقد يكون نزول هذه الآيات السابقة صادف مقالة من مقالاتهم هذه فنزلت الآية في أثنائها وقد يكون نزولها لمناسبة حكاية قولهم: متى هذا الوعد [الملك: 25] بأن قارنه كلام بذيء مثل أن يقولوا: أبعد هلاكك يأتي الوعد. والإهلاك: الإماتة، ومقابلة أهلكني ب رحمنا يدل على أن المراد: أو رحمنا بالحياة، فيفيد أن الحياة رحمة، وأن تأخير الأجل من النعم، وإنما لم يؤخر الله أجل نبيئه صلى الله عليه وسلم مع أنه أشرف الرسل لحكم أرادها كما دل عليه قوله: «حياتي خير لكم وموتي خير لكم» ، ولعل حكمة ذلك أن الله أكمل الدين الذي أراد إبلاغه فكان إكماله يوم الحج الأكبر من سنة ثلاث وعشرين من البعثة، وكان استمرار نزول الوحي على النبيء صلى الله عليه وسلم خصيصية خصه الله بها من بين الأنبياء، فلما أتم الله دينه ربا برسوله صلى الله عليه وسلم أن يبقى غير متصل بنزول الوحي فنقله الله إلى الاتصال بالرفيق الأعلى مباشرة بلا واسطة، وقد أشارت إلى هذا سورة إذا جاء نصر الله من قوله: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره [النصر: 1- 3] . ولله در عبد بني الحسحاس في عبرته بقوله: رأيت لمنايا لم يدعن محمدا ... ولا باقيا إلا له الموت مرصدا وقد عوضه الله تعالى بحياة أعلى وأجل، إذ قال ورفعنا لك ذكرك [الشرح: 4] ، وبالحياة الأبدية العاجلة وهي أنه يرد عليه روحه الزكية كلما سلم عليه أحد فيرد عليه السلام كما ثبت بالحديث الصحيح. وإنما سمى الحياة رحمة له ولمن معه، لأن في حياته نعمة له وللناس ما دام الله مقدرا حياته، وحياة المؤمن رحمة لأنه تكثر له فيها بركة الإيمان والأعمال الصالحة. والاستفهام في أرأيتم إنكاري أنكر اندفاعهم إلى أمنيات ورغائب لا يجتنون منها نفعا ولكنها مما تمليه عليهم النفوس الخبيثة من الحقد والحسد. والرؤية علمية، وفعلها معلق عن العمل فلذلك لم يرد بعده مفعولاه، وهو معلق بالاستفهام الذي في جملة جواب الشرط، فتقدير الكلام: أرأيتم أنفسكم ناجين من عذاب أليم إن هلكت وهلك من معي، فهلاكنا لا يدفع عنكم العذاب المعد للكافرين.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · ص ٥٢

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٥٢)