البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الواقعة › سورة المجادلة (58) : الآيات 14 إلى 15

والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنها عود إلى الغرض الذي سبقت فيه آيات إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا [المجادلة: 5] بعد أن فصل بمستطردات كثيرة بعده. والقوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود وقد عرفوا بما يرادف هذا الوصف في القرآن في قوله تعالى: غير المغضوب عليهم [الفاتحة: 7] . والاستفهام تعجيبي مثل قوله: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى [المجادلة: 8] . ووجه التعجيب من حالهم أنهم تولوا قوما من غير جنسهم وليسوا في دينهم ما حملهم على توليهم إلا اشتراك الفريقين في عداوة الإسلام والمسلمين. وضمير ما هم يحتمل أن يعود إلى الذين تولوا وهم المنافقون فيكون جملة ما هم منكم ولا منهم حالا من الذين تولوا، أي ما هم مسلمون ولا يهود. ويجوز أن يعود الضمير إلى قوما وهم اليهود. فتكون جملة ما هم منكم صفة قوما قوما ليسوا مسلمين ولا مشركين بل هم يهود. وكذلك ضمير ولا منهم يحتمل الأمرين على التعاكس وكلا الاحتمالين واقع. ومراد على طريقة الكلام الموجه تكثيرا للمعاني مع الإيجاز فيفيد التعجيب من حال المنافقين أن يتولوا قوما أجانب عنهم على قوم هم أيضا أجانب عنهم، على أنهم إن كان يفرق بينهم وبين المسلمين اختلاف الدين فإن الذي يفرق بينهم وبين اليهود اختلاف الدين واختلاف النسب لأن المنافقين من أهل يثرب عرب ويفيد بالاحتمال الآخر الإخبار عن المنافقين بأن إسلامهم ليس صادقا، أي ما هم منكم أيها المسلمون، وهو المقصود. ويكون قوله: ولا منهم على هذا الاحتمال احتراسا وتتميما لحكاية حالهم، وعلى هذا الاحتمال يكون ذم المنافقين أشد لأنه يدل على حماقتهم إذ جعلوا لهم أولياء من ليسوا على دينهم فهم لا يوثق بولايتهم وأضمروا بغض المسلمين فلم يصادفوا الدين الحق. ويحلفون على الكذب عطف على تولوا وجيء به مضارعا للدلالة على تجدده ولاستحضار الحالة العجيبة في حين حلفهم على الكذب للتنصل مما فعلوه. والكذب الخبر المخالف للواقع وهي الأخبار التي يخبرون بها عن أنفسهم في نفي ما يصدر منهم في جانب المسلمين.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٨ · ص ٤٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٤٨)