البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الواقعة › [سورة المجادلة (58) : آية

مجزوم في جواب قوله: فافسحوا، وهو وعد بالجزاء على الامتثال لأمر التفسح من جنس الفعل إذ جعلت توسعة الله على الممتثل جزاء على امتثاله الذي هو إفساحه لغيره فضمير لكم عائد على الذين آمنوا باعتبار أن الذين يفسحون هم من جملة المؤمنين لأن الحكم مشاع بين جميع الأمة وإنما الجزاء للذين تعلق بهم الأمر تعلقا إلزاميا. وحذف متعلق يفسح الله لكم ليعم كل ما يتطلب الناس الإفساح فيه بحقيقته ومجازه في الدنيا والآخرة من مكان ورزق أو جنة عرضها السماوات والأرض على حسب النيات، وتقديره الجزاء موكول إلى إرادة الله تعالى. وحذف فاعل القول لظهوره، أي إذا قال لكم الرسول: تفسحوا فافسحوا، فإن الله يثيبكم على ذلك. فالآية لا تدل إلا على الأمر بالتفسح إذا أمر به النبيء صلى الله عليه وسلم، ولكن يستفاد منها أن تفسح المسلمين بعضهم لبعض في المجالس محمود مأمور به وجوبا أو ندبا لأنه من المكارمة والإرفاق. فهو من مكملات واجب التحاب بين المسلمين وإن كان فيه كلفة على صاحب البقعة يضايقه فيها غيره. فهي كلفة غير معتبرة إذا قوبلت بمصلحة التحاب وفوائده، وذلك ما لم يفض إلى شدة مضايقة ومضرة أو إلى تفويت مصلحة من سماع أو نحوه مثل مجالس العلم والحديث وصفوف الصلاة. وذلك قياس على مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم في أنه مجلس خير. وروي عن النبيء صلى الله عليه وسلم: «أحبكم إلي ألينكم مناكب في الصلاة» . قال مالك: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر. يريد أن هذا الحكم وإن نزل في مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم فهو شامل لمجالس المسلمين من مجالس الخير لأن هذا أدب ومؤاساة، فليس فيه قرينة الخصوصية بالمجالس النبوية، وأراد مالك ب «نحوها» كل مجلس فيه أمر مهم في شؤون الدين فمن حق المسلمين أن يحرصوا على إعانة بعضهم بعضا على حضوره. وهذا قياس على مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم، وعلته هي التعاون على المصالح. وأفهم لفظ التفسح أنه تجنب للمضايقة والمراصة بحيث يفوت المقصود من حضور ذلك المجلس أو يحصل ألم للجالسين.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٨ · ص ٣٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٣٨)