سورة ق › سورة القمر (54) : الآيات 44 إلى 45
فقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر جواب عن قولهم: نحن جميع منتصر فلذلك لم تعطف الجملة على التي قبلها. وهذا بشارة لرسوله صلى الله عليه وسلم بذلك وهو يعلم أن الله منجز وعده ولا يزيد ذلك الكافرين إلا غرورا فلا يعيروه جانب اهتمامهم وأخذ العدة لمقاومته كما قال تعالى في نحو ذلك: ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا [الأنفال: 44] . والتعريف في الجمع للعهد، أي الجمع المعهود من قوله: نحن جميع منتصر والمعنى: سيهزم جمعهم. وهذا معنى قول النحاة: اللام عوض عن المضاف إليه. والهزم: الغلب، والسين لتقريب المستقبل، كقوله: قل للذين كفروا ستغلبون [آل عمران: 12] . وبني الفعل للمجهول لظهور أن الهازم المسلمون. ويولون: يجعلون غيرهم يلي، فهو يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين، وقد حذف مفعوله الأول هنا للاستغناء عنه إذ الغرض الإخبار عنهم بأنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولونكم الأدبار. والدبر: الظهر، وهو ما أدبر، أي كان وراء، وعكسه القبل. والآية: إخبار بالغيب، فإن المشركين هزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق ففروا بليل كما مضى في سورة الأحزاب وقد ثبت في «الصحيح» أن النبيء صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا. وأفرد الدبر، والمراد الجمع لأنه جنس يصدق بالمتعدد، أي يولي كل أحد منهم دبره، وذلك لرعاية الفاصلة ومزاوجة القرائن، على أن انهزام الجمع انهزامة واحدة ولذلك الجيش جهة تول واحدة. وهذا الهزم وقع يوم بدر. روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال: «لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدبر جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم