سورة ق › سورة الذاريات (51) : الآيات 15 إلى 19
وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته. وفي جعلهم الحق للمحروم نفع المحتاج المتعفف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج. وحرف ما في قوله: قليلا من الليل ما يهجعون مزيد للتأكيد. وشاعت زيادة ما بعد اسم (قليل) و (كثير) وبعد فعل (قل) و (كثر) و (طال) . والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل. وليست ما نافية. والهجوع: النوم الخفيف وهو الغرار. ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلا من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله: قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه [المزمل: 2- 4] وقد كان النبيء صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «أن رسول الله قال له: لم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال: نعم. قال: لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفهت النفس وهجمت العين. وقال له: قم ونم، فإن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا» . وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة: أولاها: فعل الكون في قوله: كانوا الدال على أن خبرها سنة متقررة. الثاني: العدول عن أن يقال: كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يصلون في جوف الليل، إلى قوله: قليلا من الليل ما يهجعون لأن في ذكر الهجوع تذكيرا بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع [السجدة: 16] ، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة. الثالث: التصريح بقوله: من الليل للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادة في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون يفيد أنه من الليل.