البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيا القليب «وفي نزعه ضعف والله يغفر له» . ومعنى الآية: أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة. [174] 174] إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) عود إلى محاجة أهل الكتاب لاحق بقوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى [البقرة: 159] بمناسبة قوله: إنما حرم عليكم الميتة والدم [البقرة: 173] تحذيرا للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يقرؤا من كتابهم ما غيروا العمل بأحكامه كما قال تعالى: تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا [الأنعام: 91] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبيء صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار لقصد المشاكلة. وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملونا بلوني الغرض السابق والغرض اللاحق. وعدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] . والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى [البقرة: 159] والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود من السياق وهو كتاب الذين يكتمون ، فيشبه أن تكون (أل) عوضا عن المضاف إليه، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها.

التحرير والتنوير · الجزء ٢ · ص ١٢٢

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/١٢٢)