البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الفتح › [سورة الفتح (48) : آية

الإجمال الذي في قوله: كان الله بما تعملون خبيرا إذ يفيد أنه خبير بكذبهم في الاعتذار فلذلك أبطل اعتذارهم بحرف الإبطال. وتقديم بما تعملون على متعلقه لقصد الاهتمام بذكر عملهم هذا. وما صدق بما تعملون ما اعتقدوه وما ماهوا به من أسباب تخلفهم عن نفير الرسول وكثيرا ما سمى القرآن الاعتقاد عملا. وفي قوله: كان الله بما تعملون خبيرا تهديد ووعيد. [12] 12] بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة بل كان الله بما تعملون خبيرا [الفتح: 11] ، أي خبيرا بما علمتم، ومنه ظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون. وأعيد حرف الإبطال زيادة لتحقيق معنى البدلية كما يكرر العامل في المبدل منه والانقلاب: الرجوع إلى المأوى. وأن مخففة من (أن) المشددة واسمها ضمير الشأن وسد المصدر مسد مفعولي ظننتم، وجيء بحرف لن المفيد استمرار النفي. وأكد بقوله: أبدا لأن ظنهم كان قويا. والتزيين: التحسين، وهو كناية عن قبول ذلك وإنما جعل ذلك الظن مزينا في اعتقادهم لأنهم لم يفرضوا غيره من الاحتمال، وهو أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم سالما. وهكذا شأن العقول الواهية والنفوس الهاوية أن لا تأخذ من الصور التي تتصور بها الحوادث إلا الصورة التي تلوح لها في بادىء الرأي. وإنما تلوح لها أول شيء لأنها الصورة المحبوبة ثم يعتريها التزيين في العقل فتلهو عن فرض غيرها فلا تستعد لحدثانه، ولذلك قيل: حبك الشيء يعمي ويصم. كانوا يقولون بين أقوالهم: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكلة- بفتحات ثلاث- رأس- كناية عن القلة، أي يشبعهم رأس بعير- لا يرجعون، أي هم قليل بالنسبة لقريش والأحابيش وكنانة، ومن في حلفهم.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٦ · ص ١٦٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٦٤)