سورة الجاثية › [سورة الجاثية (45) : الآيات 16 إلى
والكتاب: التوراة. والحكم يصح أن يكون بمعنى الحكمة، أي الفهم في الدين وعلم محاسن الأخلاق كقوله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12] ، يعني يحيى، ويصح أن يكون بمعنى السيادة، أي أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولا تحكمهم أمة أخرى كقوله تعالى وجعلكم ملوكا [المائدة: 20] ، والنبوءة أن يقوم فيهم أنبياء. ومعنى إيتائهم هذه الأمور الثلاثة: إيجادها في الأمة وإيجاد القائمين بها لأن نفع ذلك عائد على الأمة جمعاء فكان كل فرد من الأمة كمن أوتي تلك الأمور. وأما رزقهم من الطيبات فبأن يسر لهم امتلاك بلاد الشام التي تفيض لبنا وعسلا كما في التوراة في وعد إبراهيم والتي تجبى إليها ثمرات الأرضين المجاورة لها وترد عليها سلع الأمم المقابلة لها على سواحل البحر فتزخر مراسيها بمختلف الطعام واللباس والفواكه والثمار والزخارف، وذلك بحسن موقع البلاد من بين المشرق برا والمغرب بحرا. والطيبات: هي التي تطيب عند الناس وتحسن طعما ومنظرا ونفعا وزينة. وأما تفضيلهم على العالمين فبأن جمع الله لهم بين استقامة الدين والخلق، وبين حكم أنفسهم بأنفسهم، وبث أصول العدل فيهم، وبين حسن العيش والأمن والرخاء، فإن أمما أخرى كانوا في بحبوحة من العيش ولكن ينقص بعضها استقامة الدين والخلق، وبعضها عزة حكم النفس وبعضها الأمن بسبب كثرة الفتن. والمراد ب العالمين: أمم زمانهم وكل ذلك إخبار عما مضى من شأن بني إسرائيل في عنفوان أمرهم لا عما آل إليه أمرهم بعد أن اختلفوا واضمحل ملكهم ونسخت شريعتهم. وبينات صفة نزلت منزلة الجامد، فالبينة: الحجة الظاهرة، أي آتيناهم حججا، أي علمناهم بواسطة كتبهم وبواسطة علمائهم حجج الحق والهدى التي من شأنها أن لا تترك للشك والخطأ إلى نفوسهم سبلا إلا سدتها. والأمر: الشأن كما في قوله: وما أمر فرعون برشيد [هود: 97] والتعريف في الأمر