البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الزخرف › سورة الدخان (44) : الآيات 58 إلى 59

والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة [الدخان: 2، 3] إلخ، والذي كان جل غرض السورة في إثبات إنزاله من الله كما أشار إليه افتتاحها بالحروف المقطعة، وقوله: والكتاب المبين، فهذا التفريع مرتبط بذلك الافتتاح وهو من رد العجز على الصدر. فهذا التفريع تفريع لمعنى الحصر الذي في قوله: فإنما يسرناه بلسانك لبيان الحكمة في إنزال القرآن باللسان العربي فيكون تفريعا على ما تقدم في السورة وما تخلله وتبعه من المواعظ. ويجوز أن يكون المفرع قوله: لعلهم يتذكرون. وقدم عليه ما هو توطئة له اهتماما بالمقدم وتقدير النظم فلعلهم يتذكرون بهذا لما يسرناه لهم بلسانهم. والقصر المستفاد من (إنما) قصر قلب وهو رد على المشركين إذ قد سهل لهم طريق فهمه بفصاحته وبلاغته فقابلوه بالشك والهزء كما قصه الله في أول السورة بقوله: بل هم في شك يلعبون [الدخان: 9] أي إنا جعلنا فهمه يسيرا بسبب اللغة العربية الفصحى وهي لغتهم إلا ليتذكروا فلم يتذكروا. فمفعول يسرناه مضاف مقدر دل عليه السياق تقديره: فهمه. والباء في بلسانك للسببية، أي بسبب لغتك، أي العربية وفي إضافة اللسان إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم عناية بجانبه وتعظيم له، وإلا فاللسان لسان العرب كما قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه [إبراهيم: 4] . وإطلاق اللسان وهو اسم الجارحة المعروفة في الفم على اللغة مجاز شائع لأن أهم ما يستعمل فيه اللسان الكلام قال تعالى: بلسان عربي مبين [الشعراء: 195] . وأفصح قوله لعلهم يتذكرون عن الأمر بالتذكير بالقرآن. والتقدير: فذكرهم به ولا تسأم لعنادهم فيه ودم على ذلك حتى يحصل التذكر، فالتيسير هنا تسهيل الفهم، وتقدم عند قوله تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين إلخ في سورة مريم [97] . و (لعل) مستعملة في التعليل، أي لأجل أن يتذكروا به، وهذا كقوله: وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين [الأحقاف: 12] .

التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · ص ٣٢١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٢١)