البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › سورة البقرة (2) : آية 165

وقوله: من دون الله خال من ضمير يتخذ، وقوله: يحبونهم بدل من يتخذ بدل اشتمال، لأن الاتخاذ يشتمل على المحبة والعبادة، ويجوز كونه صفة لمن، وجوز أن يكون صفة لأندادا لكنه ضعيف لأن فيه إيهام الضمائر لاحتمال أن يفهم أن المحب هم الأنداد يحبون الذين اتخذوهم، والأظهر أن يكون حالا من (من) تفظيعا لحالهم في هذا الاتخاذ وهو اتخاذ أنداد سووها بالله تعالى في محبتها والاعتقاد فيها. والمراد بالأنداد هنا وفي مواقعه من القرآن، الأصنام لا الرؤساء (1) كما قيل، وعاد عليهم ضمير جماعة العقلاء المنصوب في قوله: يحبونهم لأن الأصنام لما اعتقدوا ألوهيتها فقد صارت جديرة بضمير العقلاء على أن ذلك مستعمل في العربية ولو بدون هذا التأويل، والمحبة هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو ميل النفس إلى الحسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق أو موهوم لعدم انحصار المحبة في ميل النفس إلى المرئيات خلافا لبعض أهل اللغة فإن الميل إلى الخلق (بضم الخاء) الحسن وإلى الفعل الحسن والكمال، محبة أشد من محبة محاسن الذات فتشترك هذه المعاني في إطلاق اسم المحبة عليها باعتبار الحاصل في النفس وقطع النظر عن سبب حصوله. فالتحقيق أن الحب يتعلق بذكر المرء وحصول النفع منه وحسن السمعة وإن لم يره فنحن نحب الله لما نعلمه من صفات كماله ولما يصلنا من نعمته وفضله ورحمته، ونحب رسوله لما نعلم من كماله ولما وصل إلينا على يديه ولما نعلم من حرصه على هدينا ونجاتنا، ونحب أجدادنا، ونحب أسلافنا من علماء الإسلام، ونحب الحكماء والمصلحين من الأولين والآخرين، ولله در أبي مدين في هذا المعنى: وكم من محب قد أحب وما رأى ... وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى وبضد ذلك كله تكون الكراهية. ومن الناس من زعم أن تعلق المحبة بالله مجاز مرسل في الطاعة والتعظيم بعلاقة اللزوم لأن طاعة المحب للمحبوب لازم عرفي لها قال الجعدي: لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع أو مجاز بالحذف، والتقدير: يحبون ثواب الله أو نعمته لأن المحبة لا تتعلق بذات الله، إما لأنها من أنواع الإرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بالجائزات وهو رأي بعض المتكلمين، وإما لأنها طلب الملائم.

التحرير والتنوير · الجزء ٢ · ص ٩٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٩٠)