البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة فصلت › [سورة فصلت (41) : آية

بحصول النصر له ولدينه وذلك بما يسر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه من بعده في آفاق الدنيا والمشرق والمغرب عامة وفي باحة العرب خاصة من الفتوح وثباتها وانطباع الأمم بها ما لم تتيسر أمثالها لأحد من ملوك الأرض والقياصرة والأكاسرة على قلة المسلمين إن نسب عددهم إلى عدد الأمم التي فتحوا آفاقها بنشر دعوة الإسلام في أقطار الأرض، والتاريخ شاهد بأن ما تهيأ للمسلمين من عجائب الانتشار والسلطان على الأمم أمر خارق للعادة، فيتبين أن دين الإسلام هو الحق وأن المسلمين كلما تمسكوا بعرى الإسلام لقوا من نصر الله أمرا عجيبا يشهد بذلك السابق واللاحق، وقد تحداهم الله بذلك في قوله: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب [الرعد: 41] ثم قال ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم [الرعد: 43] . ولم يقف ظهور الإسلام عند فتح الممالك والغلب على الملوك والجبابرة، بل تجاوز ذلك إلى التغلغل في نفوس الأمم المختلفة فتقلدوه دينا وانبثت آدابه وأخلاقه فيهم فأصلحت عوائدهم ونظمهم المدنية المختلفة التي كانوا عليها فأصبحوا على حضارة متماثلة متناسقة وأوجدوا حضارة جديدة سالمة من الرعونة وتفشت لغة القرآن فتخاطبت بها الأمم المختلفة الألسن وتعارفت بواسطتها ونبغت فيهم فطاحل من علماء الدين وعلماء العربية وأيمة الأدب العربي وفحول الشعراء ومشاهير الملوك الذين نشروا الإسلام في الممالك بفتوحهم. فالمراد بالآيات في قوله: سنريهم آياتنا ما يشمل الدلائل الخارجة عن القرآن وما يشمل آيات القرآن فإن من جملة معنى رؤيتها رؤية ما يصدق أخبارها ويبين نصحها إياهم بدعوتها إلى خير الدنيا والآخرة. والآفاق: جمع أفق بضمتين وتسكن فاؤه أيضا هو: الناحية من الأرض المتميزة عن غيرها، والناحية من قبة السماء. وعطف وفي أنفسهم يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، أي وفي أفق أنفسهم، أي مكة وما حولها على حذف مضاف.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · ص ١٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٩)