البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة فصلت › [سورة فصلت (41) : الآيات 19 الى

العذاب وإلا فقد علم الله ما كانوا يصنعون وشهدت به الحفظة وقرىء عليهم كتابهم، وما أحضروا للنار إلا وقد تحققت إدانتهم، فما كانت شهادة جوارحهم إلا زيادة خزي لهم وتحسيرا وتنديما على سوء اعتقادهم في سعة علم الله. وتخصيص السمع والأبصار والجلود بالشهادة على هؤلاء دون بقية الجوارح لأن للسمع اختصاصا بتلقي دعوة النبيء صلى الله عليه وسلم وتلقي آيات القرآن، فسمعهم يشهد عليهم بأنهم كانوا يصرفونه عن سماع ذلك كما حكى الله عنهم بقوله: وفي آذاننا وقر [فصلت: 5] ، ولأن للأبصار اختصاصا بمشاهدة دلائل المصنوعات الدالة على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير فذلك دليل وحدانيته في إلهيته، وشهادة الجلود لأن الجلد يحوي جميع الجسد لتكون شهادة الجلود عليهم شهادة على أنفسها فيظهر استحقاقها للحرق بالنار لبقية الأجساد دون اقتصار على حرق موضع السمع والبصر. ولذلك اقتصروا في توجيه الملامة على جلودهم لأنها حاوية لجميع الحواس والجوارح، وبهذا يظهر وجه الاقتصار على شهادة السمع والأبصار والجلود هنا بخلاف آية سورة النور [24] يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، لأن آية النور تصف الذين يرمون المحصنات وهم الذين اختلقوا تهمة الإفك ومشوا في المجامع يشيعونها بين الناس ويشيرون بأيديهم إلى من اتهموه إفكا. وإنما قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا دون أن يقولوه لسمعهم وأبصارهم لأن الجلود مواجهة لهم يتوجهون إليها بالملامة. وإجراء ضمائر السمع والبصر والجلود بصيغتي ضمير جمع العقلاء لأن التحاور معها صيرها بحالة العقلاء يومئذ. ومن غريب التفسير قول من زعموا أن الجلود أريد بها الفروج ونسب هذا للسدي والفراء، وهو تعنت في محمل الآية لا داعي إليه بحال، وعلى هذا التفسير بنى أحمد الجرجاني في كتاب «كنايات الأدباء» فعد الجلود من الكنايات عن الفروج وعزاه لأهل التفسير فجازف في التعبير. والاستفهام في قولهم: لم شهدتم علينا مستعمل في الملامة وهم يحسبون أن

التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · ص ٢٦٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٦٧)