البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › سورة البقرة (2) : الآيات 149 إلى 150

داحضة عند ربهم [الشورى: 16] ، وهذا هو فقه اللغة كما أشار إليه «الكشاف» ، وأما ما خالفه من كلام بعض أهل اللغة فهو من تخليط الإطلاق الحقيقي والمجازي، وإنما أرادوا التفصي من ورود الاستثناء وأشكل عليهم الاستثناء لأن المستثنى محكوم عليه بنقيض حكم المستثنى منه عند قاطبة أهل اللسان والعلماء، إلا خلافا لا يلتفت إليه في علم الأصول، فصار هذا الاستثناء مقتضيا أن الذين ظلموا لهم عليكم حجة، فأجاب صاحب «الكشاف» بأنه إنما أطلق عليه حجة لمشابهته للحجة في سياقهم إياه مساق البرهان أي فاستثناء الذين ظلموا يقتضي أنهم يأتون بحجة أي بما يشبه الحجة، فحرف إلا يقتضي تقدير لفظ حجة مستعملا في معناه المجازي، وإطلاق اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ليس ببدع لاسيما مع الإتيان بلفظ يخالف الأول على أنه قد يجعل الاستثناء منقطعا بمعنى لكن الذين ظلموا يشغبون عليكم فلا تخشوهم. وجملة ولأتم نعمتي تعليل ثان لقوله: فولوا وجوهكم شطره معطوف على قوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة بذلك الاعتبار الذي بيناه آنفا وهو أنه تعليل الامتثال فالمعنى أمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم باستيفاء أسباب ذلك الإتمام ومنها أن تكون قبلتكم إلى أفضل بيت بني لله تعالى، ومعلوم أن تمام النعمة بامتثال ما أمرنا به وجماع ذلك الاستقامة وبها دخول الجنة. وقد روى الترمذي عن النبيء صلى الله عليه وسلم «إتمام النعمة دخول الجنة» ، أي غاية إتمام النعمة علينا دخول الجنة ولم يكن ذلك في تفسير هذه الآية ولكنه من جملة معناها (1) فالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافرا من أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصا، فهو قريب من قوله تعالى: فأتمهن [البقرة: 124] أي امتثلهن امتثالا تاما وليس المراد أنه فعل بعضها ثم فعل بعضا آخر، فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال. وقوله: ولعلكم تهتدون عطف على ولأتم أي أمرتكم بذلك رجاء امتثالكم فيحصل الاهتداء منكم إلى الحق. وحرف لعل في قوله: ولعلكم تهتدون مجاز في لازم معنى الرجاء وهو قرب ذلك وتوقعه. ومعنى جعل ذلك القرب علة أن استقبالهم الكعبة مؤذن بأنهم يكونون معتدين في

التحرير والتنوير · الجزء ٢ · ص ٤٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٤٧)