البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة ص › [سورة غافر (40) : الآيات 30 إلى

وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حل بقوم نوح وعاد وثمود، فأما قوم نوح فكان طوفانهم مشهورا، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد المصرية وكان عظيما لا يخفى على مجاوريهم. وجملة وما الله يريد ظلما للعباد معترضة، والواو اعتراضية وهي اعتراض بين كلاميه المتعاطفين، أي أخاف عليكم جزاء عادلا من الله وهو جزاء الإشراك. والظلم يطلق على الشرك إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] ، ويطلق على المعاملة بغير الحق، وقد جمع قوله: وما الله يريد ظلما للعباد نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المشترك في معنييه. وكذلك فعل يريد يطلق بمعنى المشيئة كقوله: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج [المائدة: 6] ويطلق بمعنى المحبة كقوله: ما أريد منهم من رزق [الذاريات: 57] ، فلما وقع فعل الإرادة في حيز النفي اقتضى عموم نفي الإرادة بمعنييها على طريقة استعمال المشترك في معنييه، فالله تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ولا يشاء أن يظلم عباده. وأول المعنيين في الإرادة وفي الظلم أعلق بمقام الإنذار، والمعنى الثاني تابع للأول لأنه يدل على أن الله تعالى لا يترك عقاب أهل الشرك لأنه عدل، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلم أقوى الأسباب في إقلاع الناس عنه، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى الحكمة لإقامة العدل. وتقديم اسم الله على الخبر الفعلي لإفادة قصر مدلول المسند على المسند إليه، وإذ كان المسند واقعا في سياق النفي كان المعنى: قصر نفي إرادة الظلم على الله تعالى قصر قلب، أي الله لا يريد ظلما للعباد بل غيره يريدونه لهم وهم قادة الشرك وأيمته إذ يدعونهم إليه ويزعمون أن الله أمرهم به قال تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء [الأعراف: 28] . هذا على المعنى الأول للظلم، وأما على المعنى الثاني فالمعنى: ما الله يريد أن

التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · ص ١٣٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٣٥)