البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة ص › [سورة الزمر (39) : آية

السامع يسأل عن سبب اسوداد الوجوه فيجاب بأن في جهنم مثواهم يعني لأن السواد يناسب ما سيلفح وجوههم من مس النار فأجيب بطريقة الاستفهام التقريري بتنزيل السائل المقدر منزلة من يعلم أن مثواهم جهنم فلا يليق به أن يغفل عن مناسبة سواد وجوههم، لمصيرهم إلى النار، فإن للدخائل عناوينها، وهذا الاستفهام كما في قوله تعالى: ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] ، وكقول أبي مسعود الأنصاري للمغيرة بن شعبة حين كان أمير الكوفة وقد أخر الصلاة يوما «ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وكقول الحجاج في خطبته في أهل الكوفة «ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر» إلخ. والتكبر: شدة الكبر، ومن أوصاف الله تعالى المتكبر، والكبر: إظهار المرء التعاظم على غيره لأنه يعد نفسه عظيما. وتعريف المتكبرين هنا للاستغراق، وأصحاب التكبر مراتب أقواها الشرك، قال تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] وهو المعني بقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه حبة خردل من إيمان» أخرجه مسلم عن ابن مسعود ، ألا ترى أنه قابله بالإيمان، ودونه مراتب كثيرة متفاوتة في قوة حقيقة ماهية التكبر، وكلها مذمومة. وما يدور على الألسن: أن الكبر على أهل الكبر عبادة، فليس بصحيح. وفي وصفهم بالمتكبرين إيماء إلى أن عقابهم بتسويد وجوههم كان مناسبا لكبريائهم لأن المتكبر إذا كان سيىء الوجه انكسرت كبرياؤه لأن الكبرياء تضعف بمقدار شعور صاحبها بمعرفة الناس نقائصه. [61] وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) عطف على جملة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة [الزمر: 60] إلى

التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · ص ٥١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٥١)