البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة ص › سورة الزمر (39) : آية 42

الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) يصلح هذا أن يكون مثلا لحال ضلال الضالين وهدى المهتدين نشأ عن قوله: فمن اهتدى فلنفسه إلى قوله: وما أنت عليهم بوكيل [الزمر: 41] . والمعنى: أن استمرار الضال على ضلاله قد يحصل بعده اهتداء وقد يوافيه أجله وهو في ضلاله فضرب المثل لذلك بنوم النائم قد تعقبه إفاقة وقد يموت النائم في نومه، وهذا تهوين على نفس النبيء صلى الله عليه وسلم برجاء إيمان كثير ممن هم يومئذ في ضلال وشرك كما تحقق ذلك. فتكون الجملة تعليلا للجملة قبلها ولها اتصال بقوله: أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله: في ضلال مبين [الزمر: 22] . ويجوز أن يكون انتقالا إلى استدلال على تفرد الله تعالى بالتصرف في الأحوال فإنه ذكر دليل التصرف بخلق الذوات ابتداء من قوله: خلق السماوات والأرض بالحق إلى قوله: في ظلمات ثلاث [الزمر: 5، 6] ، ثم دليل التصرف بخلق أحوال ذوات وإنشاء ذوات من تلك الأحوال وذلك من قوله: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض إلى قوله: لأولي الألباب [الزمر: 21] وأعقب كل دليل بما يظهر فيه أثره من الموعظة والعبرة والزجر عن مخالفة مقتضاه، فانتقل هنا إلى الاستدلال بحالة عجيبة من أحوال أنفس المخلوقات وهي حالة الموت وحالة النوم. وقد أنبأ عن الاستدلال قوله: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، فهذا دليل للناس من أنفسهم، قال تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21] وقال: ضرب لكم مثلا من أنفسكم [الروم: 28] ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتدرج في الاستدلال ولها اتصال بجملة خلق السماوات والأرض بالحق وجملة ألم تر أن الله أنزل المتقدمتين، وعلى كلا الوجهين أفادت الآية إبراز حقيقتين عظيمتين من نواميس الحياتين النفسية والجسدية وتقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي لإفادة تخصيصه بمضمون الخبر، أي الله يتوفى لا غيره فهو قصر حقيقي لإظهار فساد أن أشركوا

التحرير والتنوير · الجزء ٢٤ · ص ٢٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٣)