البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة ص › سورة الزمر (39) : آية 10

مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر، بخلاف حال المشركين في ذلك كله، أتبع ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم، والتقدير: قل للمؤمنين، بقرينة قوله: يا عباد الذين آمنوا إلخ. وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفا، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم، وهذا وضع لهم في مقام المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة. وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها عباد وهو استعمال كثير في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم. وقرأه العشرة يا عباد بدون ياء في الوصل والوقف كما في «إبراز المعاني» لأبي شامة وكما في «الدرة المضيئة» في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري، بخلاف قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 53] الآتي في هذه السورة، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن. وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون، فانتسابهم إلى الله مقرر فاستغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه، بخلاف الآية الآتية، فليس في كلمة يا عباد من هذه الآية إلا وجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتاب المصحف بدون ياء بعد الدال. وما وقع في «تفسير ابن عطية» من قوله: وقرأ جمهور القراء قل يا عبادي بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو أيضا وعاصم والأعشى وابن كثير يا عباد بغير ياء في الوصل اه. سهو، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في هذه السورة [53] فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره. والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متقون من قبل، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يقصروا في تقواهم. وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم، وهو ما عرض به في قوله تعالى: وأرض الله واسعة.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · ص ٣٥٢

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٥٢)