البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة ص › سورة ص (38) : الآيات 86 إلى 88

لا يرجو من معانديه أجرا. وثبت بذلك أنه ليس بمتقول ما لم يوح إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس، فكأنه قيل يستغني الله عنكم بأقوام آخرين كما قال تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم [الزمر: 7] . وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها. والقصر الذي اشتملت عليه جملة إن هو إلا ذكر للعالمين قصر قلب إضافي، أي هو ذكر لا أساطير ولا سحر ولا شعر ولا غير ذلك للرد على المشركين ما وسموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية. وجملة ولتعلمن نبأه بعد حين عطف على جملة إن هو إلا ذكر للعالمين باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإثبات، أي وستعلمون خبر هذا القرآن بعد زمان علما جزما فيزول شككم فيه، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو مقتضى وجود نون التوكيد. والنبأ: الخبر، وأصل الخبر: الصدق، أي الموافقة للواقع، فإذا قيل: أتاني نبأ كذا، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع، فإضافة النبأ إلى ما يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإضافة، قال تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم [ص: 21] ، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه الحق، وهذا كما قال تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53] . وفسر النبأ بمعنى المفعول، أي ما أنبأ به القرآن من إنذاركم بالعذاب، فهو تهديد. وكلا الاحتمالين واقع فإن من المخاطبين من عجل له عذاب السيف يوم بدر، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين منهم من علموا دخول الناس في الإسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح مكة وآمنوا، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجا فعلموا نبأ صدق القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيمانا. وحين كل فريق ما مضى عليه من زمن بين هذا الخطاب وبين تحقق الصدق. والحين: الزمن من ساعة إلى أربعين سنة. فختم الكلام بتسجيل التبليغ وأن فائدة ما أبلغهم لهم لا للنبيء صلى الله عليه وسلم. وختم بالمواعدة لوقت يقينهم بنبيئه، وهذا مؤذن بانتهاء الكلام ومراعاة حسن الختام.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · ص ٣١٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣١٠)