سورة ص › [سورة ص (38) : الآيات 34 إلى
من أن يلي مثل ذلك الملك من ليس له من النبوءة والحكمة والعصمة ما يضطلع به لأعباء ملك مثل ذلك الملك ومن ليس له من النفوذ على أمته ما لسليمان على أمته فلا يلبث أن يحسد على الملك فينجم في الأمة منازعون للملك على ملكه، فينتفي أيضا على هذا التأويل إيهام أنه سأل ذلك غيرة على نفسه أن يعطى أحد غيره مثل ملكه (مما تشم منه رائحة الحسد) . وقد تضمنت دعوته شيئين: هما أن يعطى ملكا عظيما، وأن لا يعطى غيره مثله في عظمته. وقد حكى الله دعاء سليمان وهو سر بينه وبين ربه إشعارا بأنه ألهمه إياه، وأنه استجاب له دعوته تعريفا برضاه عنه وبأنه جعل استجابته مكرمة توبته. ومعنى ذلك أنه لا يأتي ملك بعده له من السلطان جميع ما لسليمان فإن ملك سليمان عم التصرف في الجن وتسخير الريح والطير، ومجموع ذلك لم يحصل لأحد من بعده. وفي «الصحيح» عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: «رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا» . وجملة إنك أنت الوهاب علة للسؤال كله وتمهيد للإجابة، فقامت (إن) مقام حرف التفريع ودلت صيغة المبالغة في الوهاب على أنه تعالى يهب الكثير والعظيم لأن المبالغة تفيد شدة الكمية أو شدة الكيفية أو كلتيهما بقرينة مقام الدعاء، فمغفرة الذنب من المواهب العظيمة لما يرتب عليه من درجات الآخرة وإعطاء مثل هذا الملك هو هبة عظيمة. وأنت ضمير فصل، وأفاد الفصل به قصرا فصار المعنى: أنت القوي الموهبة لا غيرك، لأن الله يهب ما لا يملك غيره أن يهبه.