البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة سبأ › سورة يس (36) : آية 12

المقام وليست من لوازم معنى التركيب. وهذا من أدق التخلص بحرف (إن) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطنة، وهذا مقام خطاب الذكي المذكور في مقدمة علم المعاني. فيكون موقع جملة «إنا نحيي الموتى» استئنافا ابتدائيا لقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر، ولم يخشوا الرحمان، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر. ويجوز أن يكون الإحياء مستعارا للإنقاذ من الشرك، والموتى: استعارة لأهل الشكر، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإيمان كما قال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات [الأنعام: 122] الآية. فتكون الجملة امتنانا على المؤمنين بتيسير الإيمان لهم، قال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام [الأنعام: 125] ، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله: فبشره بمغفرة وأجر كريم [يس: 11] . والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم. وهذا الاعتبار يناسبه الاستئناف الابتدائي ليكون الانتقال بابتداء كلام منبها السامع إلى ما اعتبره المتكلم في مطاوي كلامه. والتأكيد بحرف (إن) منظور فيه إلى معنى الصريح كما هو الشأن، ونحن ضمير فصل للتقوية وهو زيادة تأكيد. والمعنى: نحييهم للجزاء، فلذلك عطف ونكتب ما قدموا، أي نحصي لهم أعمالهم من خير وشر قدموها في الدنيا لنجازيهم. وعطف ذلك إدماج للإنذار والتهديد بأنهم محاسبون على أعمالهم ومجازون عليها. والكناية: كناية عن الإحصاء وعدم إفلات شيء من أعمالهم أو إغفاله. وهي ما يعبر عنه بصحائف الأعمال التي يسجلها الكرام الكاتبون.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٢ · ص ٣٥٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٥٥)