البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة سبأ › سورة سبإ (34) : آية 50

مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلا مشتملا على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم. وصيغة القصر التي في قوله: فإنما أضل على نفسي لقصر الضلال المفروض، أي على نفسي لا عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلع عما دعاهم إليه ولم يقتصروا على صدودهم. وتعدية أضل بحرف على تتضمن استعارة مكنية إذ شبه الضلال بجريرة عليه فعداه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكره عليها غير الملائمة، عكس اللام، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يقال: ضمن أضل معنى أجني، لأن ضللت الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر. وأما قوله: وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي فكالاحتراس من أن يكون حاله مقتصرا على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته بأن ما يناله من خير فهو بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصل لذلك وهو مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] . واختير في جانب الهدى فعل اهتديت الذي هو مطاوع (هدى) لما فيه من الإيماء إلى أن له هاديا، وبينه بقوله: فبما يوحي إلي ربي ليحصل شكره لله إجمالا ثم تفصيلا، وفي قوله: فبما يوحي إلي ربي إيماء إلى أنه على هدى لأنه أثبت أن وحيا من الله وارد إليه. وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه، من إسناد فعل أضل إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم، وهو أغرق في التعلق به، وليس الغرض من ذلك الكلام بيان التسبب ولكن عدم مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به، ولم يرتكب مثل هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملا له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناس إلى اتباعه، ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يعلم من المقابلة أن سبب الضلال

التحرير والتنوير · الجزء ٢٢ · ص ٢٤٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٤٠)