البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

والكلمات الكلام الذي أوحى الله به إلى إبراهيم إذ الكلمة لفظ يدل على معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى: كلا إنها كلمة هو قائلها [المؤمنون: 100] ، وأجملها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لتكاليف فأتى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة، ولعل جمع الكلمات جمع السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة، فلعل منها الأمر بذبح ولده، وأمره بالاختتان، وبالمهاجرة بهاجر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أمره بذبح ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى: إن هذا لهو البلاء المبين [الصافات: 106] . وقوله: فأتمهن جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك من شدة العزم. والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء المصنوع. وتعدية فعل أتم إلى ضمير (كلمات) مجاز عقلي، وهو من تعليق الفعل بحاوي المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفى [النجم: 37] ، وقوله: قد صدقت الرؤيا [الصافات: 105] ، فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم أتى بالبعض الآخر، فدل قوله: فأتمهن مع إيجازه على الامتثال وإتقانه والفور فيه. وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على أنه ابتلى فامتثل كقولك دعوت فلانا فأجاب. وجملة قال إني جاعلك للناس إماما مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عما اقتضاه قوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات من تعظيم الخبر والتنويه به، لما يقتضيه ظرف (إذ) من الإشارة إلى قصة من الأخبار التاريخية العظيمة فيترقب السامع ما يترتب على اقتصاصها، ويجوز أن يكون الفصل على طريقة المقاولة لأن هذا القول مجاوبة لما دل عليه قوله: ابتلى. والإمام مشتق من الأم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فعال من صيغ الآلة سماعا كالعماد والنقاب والإزار والرداء، فأصله ما يحصل به الأم أي القصد ولما كان الدال على الطريق يقتدي به السائر دل الإمام على القدوة والهادي. والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل أفراد هذا النوع. وإنما عدل عن التعبير برسولا إلى إماما ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع

التحرير والتنوير · الجزء ١ · ص ٧٠٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٧٠٣)