البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القصص › سورة القصص (28) : الآيات 62 إلى 63

السير على قدم الغاوين يبرر الغواية، وهذا كما حكى عنهم في سورة الشعراء [96، 99] : قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون. وحذف مفعول فعل أغوينا الأول وهو العائد من الصلة إلى الموصول لكثرة حذف أمثاله من كل عائد صلة هو ضمير نصب متصل وناصبه فعل أو وصف شبيه بالفعل، لأن اسم الموصول مغن عن ذكره ودال عليه فكان حذف العائد اختصارا. وذكر مفعول فعل أغويناهم الثاني اهتماما بذكره لعدم الاستغناء عنه في الاستعمال. وجملة تبرأنا إليك استئناف. والتبرؤ: تفعل من البراءة وهي انتفاء ما يصم، فالتبرؤ: معالجة إثبات البراءة وتحقيقها. وهو يتعدى إلى من يحاول إثبات البراءة لأجله بحرف (إلى) الدال على الانتهاء المجازي يقال: إني أبرأ إلى الله من كذا، أي أوجه براءتي إلى الله، كما يتعدى إلى الشيء الذي يصم بحرف (من) الاتصالية التي هي للابتداء المجازي قال تعالى فبرأه الله مما قالوا [الأحزاب: 69] . وقد تدخل (من) على اسم ذات باعتبار مضاف مقدر نحو قوله تعالى وقال إني بريء منكم [الأنفال: 48] أي من كفركم. والتقدير: من أعمالكم وشؤونكم إما من أعمال خاصة يدل عليها المقام أو من عدة أعمال. فالمعنى هنا تحقق التبرؤ لديك والمتبرأ منه هو مضمون جملة ما كانوا إيانا يعبدون فهي بيان لإجمال التبرؤ. والمقصود: أنهم يتبرؤون من أن يكونوا هم المزعوم أنهم شركاء وإنما قصارى أمرهم أنهم مضلون وكان هذا المقصد إلجاء من الله إياهم ليعلنوا تنصلهم من ادعاء أنهم شركاء على رؤوس الملإ، أو حملهم على ذلك ما يشاهدون من فظاعة عذاب كل من ادعى المشركون له الإلهية باطلا لما سمعوا قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] . هذا ما انطوت عليه هذه الآية من المعاني. وتقديم إيانا على يعبدون دون أن يقال يعبدوننا للاهتمام بهذا التبرؤ مع الرعاية على الفاصلة.

التحرير والتنوير · الجزء ٢٠ · ص ١٥٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٥٩)