البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › [سورة الفرقان (25) : آية

وقوله والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا [الفرقان: 67] الآية، وقوله: ولا يقتلون النفس إلى قوله لا يشهدون الزور [الفرقان: 68- 72] إلخ. وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا إلى قوله: للمتقين إماما [الفرقان: 74] . وظاهر قوله يمشون على الأرض هونا أنه مدح لمشية بالأرجل وهو الذي حمل عليه جمهور المفسرين. وجوز الزجاج أن يكون قوله يمشون عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس فعبر عن ذلك بالانتقال في الأرض وتبعه ابن عطية وهذا الذي ذكره مأخوذ مما روي عن زيد ابن أسلم كما سيأتي. فعلى الوجه الأول يكون تقييد المشي بأنه على الأرض ليكون في وصفه بالهون ما يقتضي أنهم يمشون كذلك اختيارا وليس ذلك عند المشي في الصعدات أو على الجنادل. والهون: اللين والرفق. ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره (مشيا) فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق. والمشي الهون: هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفق النعال فهو مخالف لمشي المتجبرين المعجبين بنفوسهم وقوتهم. وهذا الهون ناشىء عن التواضع لله تعالى والتخلق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية. وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلاما يتبختر في مشيته فقال له «إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله» . وقد مدح الله تعالى أقواما بقوله سبحانه وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا فاقصد في مشيتك، وحكى الله تعالى عن لقمان قوله لابنه ولا تمش في الأرض مرحا [الإسراء: 37] . والتخلق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمان لأن الرحمة ضد الشدة، فالهون يناسب ماهيتها وفيه سلامة من صدم المارين. وعن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: الذين يمشون على الأرض هونا

التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · ص ٦٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٦٨)