البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › سورة الفرقان (25) : الآيات 45 إلى 46

مظللة إذ قال تعالى: ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فإن حال الناس في الضلالة قبل نزول القرآن تشبه بحال امتداد ظلمة الظل، وصار ما كان مظللا ضاحيا بالشمس وكان زوال ذلك الظل تدريجا حتى ينعدم الفيء. فنظم الآية بما اشتمل عليه من التمثيل أفاد تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجما بهيئة مد الظل مدرجا ولو شاء لجعله ساكنا. وكان نظمها بحمله على حقيقة تركيبه مفيدا العبرة بعد الظل وقبضه في إثبات دقائق قدرة الله تعالى، وهذان المفادان من قبيل استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه الذي ذكرناه في المقدمة التاسعة. وكان نظم الكلام بمعنى ما فيه من الاستعارة التصريحية من تشبيه الهداية بنور الشمس، وتقلص ضلال الكفر بانقباض الظل بعد أن كان مديدا قبل طلوع الشمس. وبهذه النكتة عطف قوله ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا إلى قوله وجعل النهار نشورا [الفرقان: 47] . والاستفهام تقريري فهو صالح لطبقات السامعين: من غافل يسأل عن غفلته ليقر بها تحريضا على النظر، ومن جاحد ينكر عليه إهماله النظر، ومن موفق يحث على زيادة النظر. والرؤية بصرية، وقد ضمن الفعل معنى النظر فعدي إلى المرئي بحرف (إلى) . والمد: بسط الشيء المنقبض المتداخل يقال: مد الحبل ومد يده، ويطلق المد على الزيادة في الشيء وهو استعارة شائعة، وهو هنا الزيادة في مقدار الظل. ثم إذا كان المقصود بفعل الرؤية حالة من أحوال الذات تصح رؤيتها فلك تعدية الفعل إلى الحالة كقوله تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1] ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا [نوح: 15] ، وصح تعديته إلى اسم الذات مقيدة بالحالة المقصودة بحال أو ظرف أو صلة نحو أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 17] ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه [البقرة: 258] ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيء لهم ابعث لنا ملكا [البقرة: 246] . والفرق بين التعديتين أن الأولى يقصد منها العناية بالحالة لا بصاحبها، فالمقصود من آية سورة الفيل: الامتنان على أهل مكة بما حل بالذين انتهكوا حرمتها من

التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · ص ٣٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٣٩)