البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › [سورة النور (24) : آية

وتمكين الدين: انتشاره في القبائل والأمم وكثرة متبعيه. استعير التمكين الذي حقيقته التثبيت والترسيخ لمعنى الشيوع والانتشار لأنه إذا انتشر لم يخش عليه الانعدام فكان كالشيء المثبت المرسخ، وإذا كان متبعوه في قلة كان كالشيء المضطرب المتزلزل. وهذا الوعد هو الذي أشار إليه النبيء صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منها حديث الحديبية إذ جاء فيه قوله: «وإن هم أبوا (أي إلا القتال) فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (أي ينفصل مقدم العنق عن الجسد) ولينفذن الله أمره» . وقوله: لهم مقتضى الظاهر فيه أن يكون بعد قوله: دينهم لأن المجرور بالحرف أضعف تعلقا من مفعول الفعل، فقدم لهم عليه للإيماء إلى العناية بهم، أي يكون التمكين لأجلهم، كتقديم المجرور على المفعولين في قوله: ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك [الشرح: 1، 2] . وإضافة الدين إلى ضميرهم لتشريفهم به لأنه دين الله كما دل عليه قوله عقبه: الذي ارتضى لهم، أي الذي اختاره ليكون دينهم، فيقتضي ذلك أنه اختارهم أيضا ليكونوا أتباع هذا الدين. وفيه إشارة إلى أن الموصوفين بهذه الصلة هم الذين ينشرون هذا الدين في الأمم لأنه دينهم فيكون تمكنه في الناس بواسطتهم. وإنما قال: وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ولم يقل: وليؤمننهم، كما قال في سابقيه لأنهم ما كانوا يطمحون يومئذ إلا إلى الأمن، كما ورد في حديث أبي العالية المتقدم آنفا، فكانوا في حالة هي ضد الأمن ولو أعطوا الأمن دون أن يكونوا في حالة خوف لكان الأمن منة واحدة. وإضافة الخوف إلى ضميرهم للإشارة إلى أنه خوف معروف مقرر. وتنكير أمنا للتعظيم بقرينة كونه مبدلا من بعد خوفهم المعروف بالشدة. والمقصود: الأمن من أعدائهم المشركين والمنافقين. وفيه بشارة بأن الله مزيل الشرك والنفاق من الأمة. وليس هذا الوعد بمقتض أن لا تحدث حوادث

التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · ص ٢٨٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٨٧)